تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
كَذلِكَ
، أي : مثل هذا التفصيل البديع ،
نُفَصِّلُ الْآياتِ
؛ نبينها ؛ لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
؛ يتدبرون في ضرب الأمثال ، ويعرفون حكمها وأسرارها ، فلما لم ينزجروا أضرب عنهم ، فقال :
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أنفسهم بالشرك
أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ
، أي : تبعوا أهواءهم ، جاهلين ، ولو كان لهم علم ؛ لرجى أن يزجرهم ،
فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ
؟ أي : لا هادي له قط ،
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ
يمنعونهم من العذاب ، أو : يحفظونهم من الضلالة ، أو : من الإقامة فيها . الإشارة : ما قيل في الشرك الجلى يجرى مثله في الشرك الخفي ؛ فإن الحق تعالى غيور ، لا يحب العمل المشترك ، ولا القلب المشترك . العمل المشترك لا يقبله ، والقلب المشترك لا يقبل عليه ، وأنشدوا « 1 » : لي محبوب إنما هو غيور يطلّ في القلب كطير حذور ذا رأى شيئا امتنع أن يزور فكما أنك لا ترضى من عبدك أن يحب غيرك ، ويخضع له ، كذلك الحق تعالى ؛ لا يرضى منك أن تميل لغيره . قال القشيري : قوله :
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ
: أشدّ الظلم متابعة الهوى ؛ لأنه قريب من الشّرك . قال اللّه تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
« 2 » ، ومن اتّبع هواه ؛ خالف رضا مولاه ، فهو ، بوضع الشيء في غير موضعه ، صار ظالما ، كما أن العاصي ، بوضع المعصية في موضع الطاعة ، صار ظالما ، كذلك بمتابعة هواه ، بدلا عن موافقة ومتابعة رضا مولاه ، صار في الظلم متماديا . ه . ثم أمر بالتوحيد الخالص ، المقصود من ضرب المثل ، فقال :

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 30 إلى 32 ]

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 30 ) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 )
هامش
( 1 ) وهو الششتري ، كما ذكر الشيخ المفسر في إيقاظ الهمم / 437 . ( 2 ) من الآية 23 من سورة الجاثية .