تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ
؛ فإنّا لن نرعوى عما نحن عليه ، ولا نقبل كلامك ودعوتك ، وعظت أو سكت . ولم يقل : أم لم تعظ ؛ لرؤوس الآي .
إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
بضم اللام « 1 » ، أي : ما هذا الذي نحن عليه ؛ من ألّا بعث ولا حساب ، إلا عادة الأولين وطبيعتهم واعتقادهم ، أو : ما هذا الذي نحن عليه من الموت والحياة إلا عادة قديمة ، لم يزل الناس عليها ، ولا شئ بعدها ، أو : ما هذا الذي أنكرت علينا ؛ من البنيان والبطش ، إلا عادة من قبلنا ، فنحن نقتدى بهم ، وما نعذّب على ذلك . وبسكون اللام ، أي : ما هذا الذي خوفتنا به
إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ
أي : اختلاقهم وكذبهم ، أو : ما خلقنا هذا إلا كخلقهم ، نحيا كما حيوا ، ونموت كما ماتوا ، ولا بعث ولا حساب ،
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
على ما نحن عليه من الأعمال .
فَكَذَّبُوهُ
أي : أصروا على تكذيبه ،
فَأَهْلَكْناهُمْ
بسبب ذلك بريح صرصر ، تقدم في الأعراف كيفيته « 2 » ،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ
أي : قوم هود
مُؤْمِنِينَ
؛ ما أسلم معه ثلاثمائة ألف . . . وأهلك باقيهم . قاله المحشى الفاسي . وقيل : وما أكثر قومك بمؤمنين بهذا ، على أن
كانَ
: صلة .
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
؛ العزيز بالانتقام من أعدائه ، الرحيم بالانتصار لأوليائه . الإشارة : أنكر . هود عليه السّلام على قومه أمرين مذمومين ، وهما من صفة أهل البعد عن اللّه ؛ الأول : التطاول في البنيان ، والزيادة على الحاجة ، وهي ما يكن من البرد ، ويقى من الحر ، من غير تمويه ولا تزويق ، والزيادة على الحاجة في البنيان من علامة الرغبة في الدنيا ، وهو من شأن الجهال رعاء الشاه ، كما في الحديث ، وفي خبر آخر : « إذا علا العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك : إلى أين يا أفسق الفاسقين ؟ » « 3 » . والثاني : التجبر على عباد اللّه ، والعنف معهم ، من غير رحمة ولا رقة ، وهو من قساوة القلب ، والقلب القاسي بعيد من اللّه ، وفي الخبر عن عيسى عليه السّلام : ( لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه ، فتقسو قلوبكم ؛ فإن القلب القاسي بعيد من اللّه ، ولكن لا تشعرون ) . وفي الحديث عن نبينا صلى اللّه عليه وسلم : « لا تنظروا إلى عيوب الناس كأنكم أرباب ، وانظروا إلى عيوبكم كأنكم عبيد ، فإنما الناس مبتلى ومعافى ، فارحموا أهل البلاء وسلوا اللّه العافية » « 4 » . وبالله التوفيق ،
هامش
( 1 ) قرأ بالضّمّ : نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، وقرأ « خلق » ؛ بفتح الخاء وسكون اللام ، ابن كثير وأبو جعفر وأبو عمرو ، والكسائي . راجع إتحاف فضلاء البشر ( 2 / 318 ) . ( 2 ) راجع تفسير الآية 72 من سورة الأعراف . ( 3 ) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب ( ح 2803 ) بلفظ : « إذا رفع الرجل بناء فوق سبعة أذرع ، نودي يا أفسق الفاسقين إلى أين » ؟ وعزاه لابن أبي الدنيا ؛ موقوفا على عمارة بن عامر . وقال المنذري : ورفعه بعضهم ، ولا يصح . وانظر فتح الباري ( 11 / 92 ) . ( 4 ) هذا بقية الخبر السابق عن سيدنا عيسى عليه السّلام . وأخرجه مالك في الموطأ ( 2 / 986 ) ؛ بلاغا . ولم أقف عليه حديثا عن سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .