قلت :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ
، القضاء هنا بمعنى القدر السابق ، وضمّنه معنى أوحينا ، فعداه بإلى . و ( أنّ دابر ) : بدل من الأمر ، وفي ذلك تفخيم الأمر وتعظيم له ، و
مُصْبِحِينَ
: حال من « هؤلاء » ، أو من ضمير مقطوع ، وجمعه ؛ للحمل على المعنى ؛ لأن دابر بمعنى دوابر ، أي : قطعنا دوابرهم حال كونهم داخلين في وقت الصباح .
و
لَعَمْرُكَ
: مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : قسمي ، قال ابن عزيز : عمر وعمر واحد ، ولا يقال في القسم إلا مفتوحا ، وإنما فتح في القسم فقط ؛ لكثرة الاستعمال .
يقول الحق جل جلاله :
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ
، وهم أضياف إبراهيم ، فلما دخلوا عليه ولم يعرفهم ،
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
لا نعرفكم . أو تنكركم نفسي ؛ مخافة أن تطرقونى بشئ ،
قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ
أي : ما جئناك بما تنكرنا لأجله ، بل جئناك بما يسرك ، وهو : قطع الفاحشة من بلدك ، وإتيان العذاب لعدوك الذي توعدناهم ، فكانوا يمترون فيه ويشكون في إتيانه ،
وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ
؛ باليقين الثابت ، وهو إتيان العذاب لا محالة ،
وَإِنَّا لَصادِقُونَ
فيما أخبرناك به .
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ
: فاذهب بهم
بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
أي : فأخرج بهم في طائفة من الليل ، قيل : آخره ،
وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ
أي : كن خلفهم في ساقتهم ، حتى لا يبقى منهم أحد ، أو : أمره بالتأخر عنهم ؛ ليكونوا قدامه ، فلا يشتغل قلبه بهم لو كانوا خلفه ؛ لخوفه عليهم ، أي : ليسرع بهم ، ويطلع على أحوالهم .
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ
خلفه ، لينظر ما وراءه ، فيرى من الهول ما لا يطيقه ، أو : ولا ينصرف أحد منكم ، ولا يتخلف لغرض فيصيبه ما أصابهم . وقيل : نهوا عن الالتفات ليوطنوا أنفسهم على الهجرة .
وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
أي : إلى حيث أمركم اللّه ، وهو الشام أو مصر ، وقال بعضهم : « ما من نبي هلك إلا لحق بمكة ، وجاور بها حتى مات » .
وَقَضَيْنا
: أوحينا
إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ
، وهو هلاك قومه ، ذكره مبهما ثم فسره بقوله :
أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
وهو كناية عن استئصالهم ، والمعنى : أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد ، حال كونهم وقت العذاب
مُصْبِحِينَ
: داخلين في الصباح .
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
، وهي سدوم ،
يَسْتَبْشِرُونَ
بأضياف لوط ؛ طمعا فيهم في فعل الفاحشة ، والظاهر :
أن هذا المجيء إليه ، وما جرى له معهم من المحاورة ، كان قبل الإعلام بهلاكهم ، كما تقدم في هود . وانظر ابن عطية . فلما جاءوه يراودونه عن ضيفه
قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ
؛ بهتك حرمة ضيفي ، فإن