تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
من فضح ضيفه فقد فضح هو ، ومن أسىء إلى ضيفه فقد أسىء إليه ،
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في ركوب الفاحشة ،
وَلا تُخْزُونِ
: ولا تهينونى بإهانتهم . والخزي هو الهوان ، أو : ولا تخجلون فيهم ، من الخزاية وهو الحياء .
قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ
؛ عن أن تجير منهم أحدا ، أو تحول بيننا وبينهم ، وكانوا يتعرضون لكل أحد ، وكان لوط عليه السّلام يمنعهم ويزجرهم عنه بقدر وسعه . وذكر السدى : أنهم إنما كانوا يفعلون الفاحشة بالغرباء ، ولا يفعلونها بعضهم ببعض ، فكانوا يعترضون الطرق . ه . أو : أو لم ننهك عن ضيافة العالمين وإنزالهم ؟
قالَ هؤُلاءِ بَناتِي
تزوّجوهنّ إياكم ، وقد كان يمنعهم قبل ذلك ؛ لكفرهم ، فأراد أن يقى أضيافه بهن . ولعله لم يكن حراما في شريعته . أو يريد بالبنات نساء القوم ؛ فإن نبي كل أمة بمنزلة أبيهم ،
إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
قضاء الوطر ، أو : ما أقول لكم من التزويج ، فأبوا ، ولجوا في عملهم . قال تعالى لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم :
لَعَمْرُكَ
: لحياتك يا محمد ، أقسم بحياته - عليه الصلاة والسلام - لشرف منزلته عنده . قال ابن عباس - رضى اللّه عنهما : « ما خلق اللّه خلقا أكرم عليه من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما أقسم بحياة أحد إلا بحياته ، فقال :
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
قال القرطبي : وإذا أقسم اللّه بحياة نبيه فإنما أراد التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته . وقد قال الإمام أحمد فيمن أقسم بالنبي صلى اللّه عليه وسلم : ينعقد به يمينه ، وتجب الكفارة بالحنث ، واحتج بكون النبي صلى اللّه عليه وسلم أحد ركنى الشهادة . قال ابن خويز منداد : هذا إذ استدل من جوّز الحلف به عليه الصلاة والسلام ، بأن أيمان المسلمين جرت من عهده صلى اللّه عليه وسلم حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه قال له : احلف لي بما حوى هذا القبر ، وبحق ساكن هذا القبر ، يعنى النبي صلى اللّه عليه وسلم . ه « 1 » . قلت : ومذهب مالك أنه لا ينعقد يمين بغير اللّه ، وصفاته ، وأسمائه . وقيل : إن قوله تعالى :
لَعَمْرُكَ
: هو من قول الملائكة للوط ، أو لحياتك يا لوط ،
إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ
: أي : لفى غوايتهم ، أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ والصواب ، يتحيرون . والغلمة : شهوة الوقاع . والعمة : الحيرة ، أي : إنهم لفى عماهم يتحيرون ، فكيف يسمعون نصح من نصحهم ؟ والضمائر لقوم لوط ، وقيل : لقريش ، والجملة : اعتراض . قال تعالى :
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
، يعنى : صيحة هائلة مهلكة . قال ابن عطية : هذه الصيحة صيحة الرجعة ، وليست كصيحة ثمود . ه . وقيل : صاح بهم جبريل فأهلكتهم الصيحة ،
مُشْرِقِينَ
: داخلين في وقت شروق الشمس ؛ فابتدئ هلاكهم بعد الفجر مصبحين ، واستوفى هلاكهم مشرقين .
فَجَعَلْنا عالِيَها
أي : عالي المدينة ، أو قراها ،
سافِلَها
، فصارت منقلبة بهم .
هامش
( 1 ) ملخّصا .