تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
روى أن جبريل عليه السّلام اقتلع المدينة بجناحيه ورفعها ، حتى سمعت الملائكة صراخ الديكة ونباح الكلاب ، ثم قلبها وأرسل الكل ، فمن كان داخل المدينة أو القرى مات ، ومن كان خارجا عنها أرسلت عليه الحجارة ، كما قال تعالى :
وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
: من طين متحجر مطبوخ بالنار . وقد تقدم في سورة هود « 1 » مزيد بيان لهذا .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
: المتفكرين المعتبرين المتفرسين في الأمور ، الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته ،
وَإِنَّها
أي : المدينة أو القرى ،
لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ
: لفى طريق ثابت يسلكه الناس ، ويمرون به ، ويرون آثارها .
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
: لعبرة
لِلْمُؤْمِنِينَ
باللّه ورسله ؛ فإنهم هم المهتدون للتفكر والاعتبار ، دون من غلبت عليه الغفلة والاغترار ، كحال الكفار والفجار . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ما بعث اللّه داعيا يدعو إليه إلا وكان أول ما يدعوهم إليه ، بعد الإيمان ، الخروج من العوائد والحظوظ النفسانية ، وما هلك من هلك من الأمم إلا بالبقاء معها ، وعدم الخروج عنها ، وما نجى من نجى إلا بالخروج عنها . وكذلك في طريق الخصوصية : ما بعث اللّه وليا مربيا إلا وكان أول ما يأمر : بخرق ، العوائد ؛ لاكتساب الفوائد ، فلا طريق لخصوصية الولاية إلا منها . وفي الحكم : « كيف تخرق لك العوائد ، وأنت لم تخرق من نفسك العوائد » . فمن تربى في الرئاسة والجاه فلا مطمع له في الخصوصية حتى يبدلهما بالخمول والذل ، وكذلك من تعود جمع الدنيا واحتكارها ، فلا بد من الزهد فيها والخروج عنها ، وكذلك سائر العوائد النفسانية ، والحظوظ الجسمانية ، فمن جاور قوما منهمكين فيها ، ولم يجد من يساعده على خرقها ، فليهاجر منها ، ويقال له : فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ، ولا يلتفت منكم أحد إلى الرجوع ، إلا بعد الرسوخ والتمكين في معرفة الحق تعالى ، وليمض حيث يجد من ينهض معه إلى اللّه في نقل عوائدها وعوائقها . وقوله تعالى :
وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
: هذه عادة أهل الغفلة ، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم ، هرعوا إليه مستبشرين ، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه ، ومقتوه ، وربما أخرجوه من بلدهم ، قال تعالى في أمثالهم : ( لعمرك إنهم لفى سكرتهم يعمهون ) . وباللّه التوفيق . ثم ذكر قصة شعيب عليه السّلام ، فقال :

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 78 إلى 79 ]

وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ ( 78 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ ( 79 ) قلت : « إن » : مخففة ، واللام فارقة . يقول الحق جل جلاله :
وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ
، وهم قوم شعيب ، كانوا يسكنون غيضة ، وهي الأيكة . والأيكة : الشجر الملتف ، قيل : كانت من الدوح ، وقيل : من السدر ، فكانوا يسكنون فيها ، ويرتفقون بها
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآيات 81 - 83 .