تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
واعصمني ،
وَبَنِيَّ
من بعدي ، من
أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
أي : اجعلنا منهم في جانب بعيد . قال البيضاوي : وفيه دليل على أن العصمة للأنبياء بتوفيق اللّه وحفظه إياهم ، وهو بظاهره لا يتناول أحفاده وجميع ذريته ، وزعم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل لم يعبدوا الصنم ، محتجا به ، وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها ، ويسمونها الدوار ، ويقولون : البيت حجر ، وحيثما نصبت حجرا فهو بمنزلته . ه . قال ابن جزى : و
بَنِيَّ
يعنى : من صلبه ، وفيهم أجيبت دعوته ، وأما أعقاب بنيه فعبدوا الأصنام . ه . وقد قال في الإحياء : عنى إبراهيم عليه السّلام بالأصنام ، الذهب والفضة ، بمعنى : حبهما والاغترار بهما ، والركون إليهما . قال عليه الصلاة والسلام : « تعس عبد الدّينار والدّرهم . . . » الحديث ؛ لأن رتبة النبوة أجلّ من أن يخشى عليها أن تعتقد الألوهية في شئ من الحجارة . ه . قلت : الظاهر أن يبقى اللفظ على ظاهره ، في حقه وفي حق بنيه . أما في حقه فلسعة علمه وعدم وقوفه مع ظاهر الوعد ، كما هو شأن الأكابر ، لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير اللّه قرارهم ، وهذا كقوله :
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً
« 1 » . وتقدم هذا المعنى مرارا . وأما في حق بنيه فإنما قصد العموم في نسله ، لكن لم يجب إلا فيما كان من صلبه ؛ فإن دعاء الأنبياء - عليهم السّلام - لا يجب أن يكون كله مجابا ، فقد يجابون في أشياء ، ويمنعون من أشياء . وقد سأل نبينا صلى اللّه عليه وسلم لأمته أشياء ، فأجيب في البعض ، ومنع البعض . كما في الحديث « 2 » . ثم قال إبراهيم عليه السّلام :
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ
أي : إن الأصنام أتلفت كثيرا من الخلق عن طريق الحق ، فلذلك سألت منك العصمة ، واستعذت بك من إضلالهن ، وإسناد الإضلال إليهن باعتبار السببية ، كقوله :
وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا *
« 3 » .
فَمَنْ تَبِعَنِي
على ديني
فَإِنَّهُ مِنِّي
؛ لا ينفك عنى في أمر الدين ،
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، تقدر أن تغفر له ابتداء ، أو بعد التوفيق للتوبة . وفيه دليل على أن كل ذنب فلله أن يغفره ، حتى الشرك ، إلا أن الوعيد فرّق بينه وبين غيره . قاله البيضاوي . قال ابن جزى :
وَمَنْ عَصانِي
؛ يريد : بغير الكفر ، أو عصاه بالكفر ثم تاب منه ، فهو الذي يصح أن يدعى له بالمغفرة ، ولكنه ذكر اللفظ بالعموم ؛ لما كان فيه - عليه السّلام - من التخلق بالرحمة للخلق ، وحسن الخلق . ه .
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي
أي : بعض ذريتي ، وهو : إسماعيل عليه السّلام ، أو : أسكنت ذرية من ذريتي ، وهو إسماعيل ومن ولد منه ؛ فإن إسكانه متضمن لإسكانهم ،
بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
يعنى : وادي مكة ، لأنها حجرية
هامش
( 1 ) من الآية 80 من سورة الأنعام . ( 2 ) قال صلى اللّه عليه وسلم : « سألت ربى ثلاثا ، فأعطاني ثنتين ، ومنعني واحدة . سألت ربى أن لا يهلك أمتي بالسّنة فأعطانيها ، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها » أخرجه مسلم في ( كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ) من حديث عامر بن سعد عن أبيه . ( 3 ) من الآية 70 من سورة الأنعام .