تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه عنه : ما من نعمة إلا والحمد أفضل منها ، والنعمة التي ألهم بها الحمد أفضل من الأولى ؛ لأن الشكر يستوجب المزيد . وفي أخبار داود عليه السّلام أنه قال : إلهي ، ابن آدم ليس فيه شعرة إلا وتحتها نعمة ، وفوقها نعمة ، فمن أين يكافئها ؟ فأوحى اللّه تعالى إليه : يا داود ، إني أعطى الكثير وأرضى باليسير ، وإنّ شكر ذلك أن تعلم أن ما بك من نعمة فمنى . ه . ومن جملة النعم التي يجب الشكر عليها - وهي التي بدّلها الكفار كفرا - عمارة بيت اللّه الحرام ، ودعاء إبراهيم عليه السّلام ، الذي أشار إليه الحق تعالى بقوله :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 35 إلى 38 ]

وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ( 35 ) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 36 ) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ( 37 ) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 38 ) قلت : قال هنا :
اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ
بالتعريف ، وقال في سورة البقرة :
بَلَداً
« 1 » بالتنكير ، قال البيضاوي : الفرق بينهما أن المسؤول في الأول - أي : في التعريف - إزالة الخوف وتصييره أمنا ، وفي الثاني جعله من البلاد الآمنة . ه . وفرّق السهيلي : بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان بمكة حين نزول آية إبراهيم ؛ لأنها مكية ؛ فلذلك قال فيه :
« الْبَلَدَ »
؛ بلام التعريف التي للحضور ، بخلاف آية البقرة ، فإنما هي مدنية ، ولم تكن مكة حاضرة حين نزولها ، فلم يعرفها بلام تعريف الحضور . ه . قال ابن جزى : وفيه نظر ؛ لأن ذلك كان حكاية عن إبراهيم عليه السّلام ، ولا فرق بين كونه بالمدينة أو بمكة . ه . قلت : لا نظر فيه ؛ لأن الحق تعالى لم يحك لنا قصص الأنبياء بألفاظهم ، وإنما ترجم عنها بلسان عربى ، فينزل على رعاية مقتضى الحال . ولذلك اختلفت الألفاظ في قصص الأنبياء ؛ لأن كل قصة تنزل على ما يقتضيه المقام والحال ، من تعريف وتنكير ، واختصار وإطناب . وقد ذكر أبو السعود في سورة الأعراف ما يؤيد هذا ، فانظره . واللّه تعالى أعلم . يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكر
إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ
يعنى : مكة ،
آمِناً
لمن فيها من أغدرة الناس عليها ، أو من الخسف والعذاب ، أو من الطاعون والوباء ،
وَاجْنُبْنِي
أي : امنعني
هامش
( 1 ) في الآية 116 .