تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
كالقطن ، والكتان ، وشبه ذلك
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ
: بمشيئته وقدرته ، إلى حيث توجههم مع أسباب حكمته ، تغطية لقدرته ، وهو ما يتوقف عليه جريها وإرساؤها ، من الجبال والقلاع ،
وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ
مطردة لانتفاعكم بالسفن والشرب ، وسائر منافعها ، فجعلها معدّة لانتفاعكم وتصرفكم . وقيل : تسخير هذه الأشياء : تعليم كيفية اتخاذها والانتفاع بها .
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ
؛ متماديين في الطلوع والغروب ، يدأبان في سيرهما وإنارتهما ، وإصلاح ما يصلحانه من المكونات ، بقدرة خالقهما ،
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
يتعاقبان لسكناتكم ومعايشكم .
وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ
أي : وآتاكم بعض جميع ما سألتموه ، وهو ما يليق بكم ، وما سبق لكم في مشيئته وعلمه . قال البيضاوي : ولعل المراد بما سألتموه : ما كان حقيقا بأن يسأل ؛ لاحتياج الناس إليه ، سئل أو لم يسأل . ه . وقرأ الضحاك وابن عباس :
« مِنْ كُلِّ »
؛ بالتنوين ، أي : وآتاكم من كل شئ احتجتم إليه ، وسألتموه بلسان الحال . ويجوز على هذا أن تكون
« ما »
نافية ، في موضع الحال ، أي : وآتاكم من كل شئ غير سائليه .
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
: لا تحصروها ، ولا تطيقوا عدّ أنواعها ، فضلا عن أفرادها ، فإنها غير متناهية ؛ فمنها ظاهرة ، ومنها باطنة ، كالهداية والمعرفة . قال طلق بن حبيب : إن حق اللّه أثقل من أن يقوم به العباد ، ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد ، ولكن أصبحوا توابين ، وأمسوا توابين . ه . وقال أبو الدرداء : من لم ير نعمة اللّه إلا في مطعمه ومشربه ، فقد قلّ علمه ، وحضر عذابه . ه .
إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ
؛ بظلم النعمة لمّا غفل عن شكرها ، أو بظلم نفسه لمّا عرضها للحرمان ، بارتكاب المعاصي ،
كَفَّارٌ
: شديد الكفران ، وقيل : ظلوم في الشدة يشكو ويجزع ، كفّار في النعمة يجمع ويمنع . قاله البيضاوي . الإشارة : اللّه الذي أنزل من سماء الملكوت علوما وأسرارا ، تحيا به القلوب والأرواح ، فأخرج به من أرض النفوس ثمرة اليقين والطمأنينة ، رزقا لأرواحكم . وسخر لكم فلك الفكرة تجرى في بحر التوحيد ، وفضاء التفريد بأمره . وسخر لكم أنهار العلوم ، منها ما هو علم الرسوم لإصلاح الظواهر ، ومنها ما هو علم الحقائق لإصلاح الضمائر . وسخر لكم شمس العرفان وقمر الإيمان ، دائبين ، يستضيىء بقمر التوحيد في السير إلى معرفة أنوار الصفات ، وبشمس العرفان إلى أسرار الذات . وسخّر لكم ليل القبض لتسكنوا فيه ، ونهار البسط لتنشروا في اقتباس العلوم ، وربما أفادك في ليل القبض ما لم تستفده في نهار البسط ؛
( لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً )
. وآتاكم من كل ما سألتموه حين كمل تهذيبكم ، وصح وصلكم ، فيكون أمركم بأمر اللّه . وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها ؛ إذ نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد لا حدّ لهما في هذه الدار وفي تلك الدار ، ففي كل نفس يمدهم بمدد جديد ، ومع هذا كله يغفل العبد عن هذه النعم ! ! إن الإنسان لظلوم كفار . وشكرها : نسبتها لمعطيها ، وحمد اللّه عليها . وفي الحكم : « لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك ؛ فإنّ ذلك مما يحط من وجود قدرك » .