تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
البوار ، وهي : الإقبال على الدنيا ، والانهماك في الغفلة ، وخراب الباطن من نور اليقين ، وكثرة الخواطر والوساوس ، والحرص والجزع والهلع ، وغير ذلك من أمراض القلوب . وأىّ عذاب للمؤمن أشد من هذا في الدنيا ؟ ويسقط في الآخرة عن درجة المقربين ، ومن لم يصحب أهل التوحيد الخالص لا يخلو من عبادة أنداد وأشباه ؛ بمحبته لهم والركون إليهم . ومن أحب شيئا فهو عبد له . قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه ذات يوم : إنا لا نحب إلا اللّه ، ولا نحب معه شيئا سواه . فقال له بعض الحاضرين : قال جدك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « النفس مجبولة على حب من أحسن إليها » . فقال له الشيخ : إنا لا نرى الإحسان إلا من اللّه ، ولا نرى معه غيره . ه . بالمعنى . ثم ذكر ضد أهل الشرك ، فقال :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 31 ]

قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ ( 31 ) قلت :
( يُقِيمُوا )
: جواب شرط مقدر ، يتضمنه قوله :
( قُلْ )
، تقديره : إن تقل لهم أقيموا يقيموا ، ومعمول القول ، على هذا ، محذوف . وفيه تنبيه على أنهم لفرط مطاوعتهم للرسول - عليه الصلاة والسلام - ، بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره ، وأنه كالسبب الموجب له ، أي : مهما قلت أقاموا وأنفقوا . وقيل : جزم بإضمار لام الأمر . ولا يصح أن يكون جواب الأمر من غير حذف ؛ لأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة . انظر البيضاوي . وقال ابن عطية : إلّا إن ضمّن
( قُلْ )
معنى : بلّغ أو أدّ ، فيصح أن يكون
( يُقِيمُوا )
: جواب أمره . و
( سِرًّا وَعَلانِيَةً )
: حالان ، أو ظرفان ، ومن قرأ : « لا بيع » ؛ بالبناء « 1 » فقد بنى « لا » مع اسمها بناء التركيب ، ومن قرأ بالرفع فقد أهملها . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
، خصهم بالإضافة إليه ؛ تشريفا لهم ، وتنويها بقدرهم ، وتنبيها على أنهم الذين قاموا بحقوق العبودية . قل لهم يا محمد :
يُقِيمُوا الصَّلاةَ
التي هي عنوان الإيمان ، بإتقان شروطها وأركانها وآدابها ،
وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ
من الأموال ، فرضا ونفلا ،
سِرًّا وَعَلانِيَةً
أي : مسرين ومعلنين ، أو في سر وعلانية ، والأحب : إعلان الواجب ، وإخفاء المتطوع به ، إلا في محل الاقتداء لأهل الإخلاص .
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ
فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره ، أو ما يفدى به نفسه ،
وَلا خِلالٌ
: ولا مخاللة ومودة تنفع في ذلك اليوم ، حتى ينفع الخليل خليله ، وإنما ينفع العمل الصالح ، كالإنفاق لوجه اللّه ، وإقام الصلاة ، وغير ذلك . الإشارة : قد مدح اللّه هاتين الخصلتين : الصلاة والإنفاق ، وأمر بهما في مواضع من القرآن ؛ لأنهما عنوان الصدق ، أحدهما : عمل بدني ، والآخر : عمل مالي . أما الصلاة فإنها طهارة للقلوب ، واستفتاح لباب الغيوب ، وهي
هامش
( 1 ) قرأ ابن كثير وابن عمرو ويعقوب « لا بيع فيه ولا خلال » وقرأ الباقون « لا بيع فيه ولا خلال » راجع الإتحاف ( 2 / 169 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 61 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان