تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
واختلف في الكلمة والشجرة ؛ ففسرت الكلمة الطيبة بكلمة التوحيد - أي :
( لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ) *
، ودعوة الإسلام والقرآن ، والكلمة الخبيثة بالإشراك باللّه تعالى ، والدعاء إلى الكفر ، وتكذيب الحق . ولعل المراد بهما ما يعم ذلك ، فالكلمة الطيبة : ما أعرب عن حق ، أو دعا إلى صلاح ، والكلمة الخبيثة : ما كان على خلاف ذلك . وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة ، وروى ذلك مرفوعا ، وبشجرة في الجنة ، والخبيثة بالحنظلة ، ولعل المراد بهما أيضا ما يعم ذلك . ه .
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
وهو : لا إله إلا اللّه ، أو كل ما يثبت في القلب ، ويتمكن فيه من الحق ، بالحجة الواضحة
فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
مدة حياتهم ، فلا يزلون إذا افتتنوا في حياتهم ، أو عند موتهم ، وهي حسن الخاتمة ،
وَفِي الْآخِرَةِ
عند السؤال ، فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في القبر ، وعند الموقف ، فلا تدهشهم أهوال القيامة . روى أنه صلى اللّه عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال : « ثمّ تعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان ، فيجلسانه في قبره ، ويقولان له : من ربّك ، وما دينك ، ومن نبيّك ؟ فيقول : ربى اللّه ، وديني الإسلام ، ونبيى محمد صلى اللّه عليه وسلم . فينادى مناد من السّماء : أن صدق عبدي . فذلك قوله تعالى :
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ
» « 1 » . قلت : والقدرة صالحة لهذا كله . قال الغزالي : هو أشبه شئ بحال النائم .
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ
الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتقليد ، فلا يهتدون إلى الحق ، ولا يثبتون في مواقف الفتن .
وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ
؛ من تثبيت بعض ، وإضلال آخرين ، من غير اعتراض عليه ولا تعقيب لحكمه . الإشارة : الكلمة الطيبة ، هي كلمة التوحيد ، والشجرة الطيبة هي شجرة الإيمان ، وأصلها هو : التوحيد الثابت في القلب ، وفروعها : الفرائض والواجبات ، وأغصانها : السنن المؤكدات ، وأوراقها : المندوبات والمستحبات ، وأزهارها : الأحوال والمقامات ، وأذواقها : الوجدان وحلاوة المعاملات ، وانتهاء طيب أثمارها : العلوم وكشف أسرار الذات ، الذي هو مقام الإحسان ، وهي معرفة الشهود والعيان . فمن لم يبلغ هذا المقام لم يجن ثمرة شجرة إيمانه . ومن نقص شيئا من هذه الفروع نقص بقدرها من شجرة إيمانه ، إمّا من فروعها ، أو من أغصانها ، أو من ورقها ، أو من حلاوة أذواقها ، أو من عرف أزهارها ، أو من طيب ثمرتها . ومعلوم أن الشجرة إذا نبتت بنفسها في الخلاء ، ولم تلقّح كانت ذكّارة ، تورق ولا تثمر ، فهي شجرة إيمان من لا شيخ له يصلح للتربية ، فإن الفروع والأوراق كثيرة ، والثمار ضعيفة ، أىّ ريح هاج عليها أسقطها . وراجع ما تقدم في إشارة قوله تعالى :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
« 2 » . وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه مطولا أبو داود في ( السّنة ، باب المسألة في القبر ) والحاكم في المستدرك ( 1 / 37 ) وصححه من حديث البراء بن عازب . وأصل الحديث في الصحيحين . ( 2 ) من الآية 35 من سورة المائدة .