تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 569

مساهمون:

ص٥٦٩
إلى المحبوب . قال الورتجبي : أوضح سبع طرائق لنا إلى أنوار صفاته السبعة . ه . وقال القشيري : الحق - سبحانه - لا يستتر من رؤيته مدرك ، ولا تخفى عليه من مخلوقاته خافية ، وإنما الحجب على أبصار الخلق وبصائرهم ، والعادة جارية أنه لا يخلق لنا الإدراك لما وراء الحجب ، ولذلك أدخلت الغفلة القلوب ، واستولى عليها الذهول ، سدّت بصائرها ، وغيبت فهومها ، ففوقها حجب ظاهرة وباطنة ، ففي الظاهر : السماوات حجب تحول بيننا وبين المنازل العالية ، وعلى القلوب أغشية وأغطية ، كالشهوة والأمنية ، والإرادات الشاغلة والغفلة المتراكمة . ثم ذكر أن طرائق المريدين الفترة ، وطرائق الزاهدين ترك عروق الرغبة . قال : وأما العارفون فربما تظلّهم في بعض أحيانهم وقفة في تضاعيف سيرهم إلى ساحات الحقائق ، فيصيرون موقوفين ريثما يتفضّل الحقّ - سبحانه - عليهم بكفاية ذلك ، فيجدون نفاذا ، ويدفع عنهم ما عاقهم من الطرائق ، وفي جميع ذلك فالحق - سبحانه - غير تارك للعبد ولا غافل عن الخلق . ه . وقوله :
وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ
أي : وما كنا غافلين عن إرسال من يخرجهم من تلك الحجب القهرية ، بل بعثنا الرسل ، وفي أثرهم العارفين الربانيين ، يخرجون من تعلق بهم من تلك الطرائق ، ويوصلونهم إلى بحر الحقائق . وأنزلنا من سماء الغيوب ماء العلم اللدني ، فأسكناه في أرض النفوس والقلوب ، بقدر ما سبق لكل قلب منيب ، وإنا على ذهاب به من القلوب والصدور لقادرون . ولذلك كان العارفون لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير اللّه قرارهم ، فأنشأنا بذلك العلم في قلوب العارفين جنات المعارف من نخيل الأذواق والوجدان ، وأعناب خمرة العيان ، لكم فيها فواكه كثيرة ، أي : تمتع كثير بلذة الشهود ، ومنها تتقوت أرواحكم وأسراركم ، وشجرة المعرفة تخرج من القلوب الصافية ، التي هي محل المناجاة ، كطور موسى ، أي : تنبت فيها ويخرج أغصانها إلى ظاهر الجوارح ، تنبت في القلب بدهن الذوق والوجد ، وصبغ للآكلين ، أي : المريدين الآكلين من تلك الشجرة ، فتصبغ قلوبهم بالمعرفة واليقين . وقوله تعالى :
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً
، قال القشيري : الإشارة فيه : أنّ الكدورات الناجمة المتراكمة لا عبرة بها ولا مبالاة ، فإنّ اللّبن الخالص السائغ يخرج من أخلاف الإبل والأنعام ، من بين ما ينطوى حواياها عليها من الوحشة ، ولكنه صاف لم يؤثر فيها بحكم الجوار ، والصفا يوجد أكثره في عين الكدورة ؛ إذ الحقيقة لا يتعلق بها حقّ ولا باطل . ومن أشرف على سرّ التوحيد تحقّق بأنّ ظهور جميع الحدثان من التقدير ، فتسقط عنه كلفة التمييز ؛ فالأسرار عند ذلك تصفو ، والوقت لصاحبه لا يجفو ،
( وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ )
لازمة لكم ، ومتعدية منكم إلى كلّ متصل بكم . انتهى على لحن فيه ، فتأمله . ولما دكّرهم بالنعم ، ذكر من قابلها بالكفران فهلك ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 23 إلى 30 ]

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 23 ) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ ( 24 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ( 25 ) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ ( 26 ) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ( 27 ) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 28 ) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 29 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ( 30 )