تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
أي : ليزيلوا عنهم أدرانهم ، قاله نفطويه . وقيل : قضاء التفث : قص الشارب والأظافر ، ونتف الإبط ، والاستحداد ، وسائر خصال الفطرة . وهذا بعد أن يحلوا من الحج ؛ التحلل الأصغر بالنحر .
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ
أي : ما ينذرونه من البر في الحج وغيره ، وقيل : مواجب حجهم من فعل أركانه ،
وَلْيَطَّوَّفُوا
طواف الإفاضة ، الذي هو ركن لا يجبر بالدم ، وبه يتم الحج ، ويكون
بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
: القديم ؛ لأنه أول بيت وضع للناس ، بناه آدم ثم جدّده إبراهيم ، أو الكريم ، ومنه : عتاق الخيل لكرائمها ، أو : لأنه عتق من الغرق ، أو من أيدي الجبابرة ، فكم من جبار رام هدمه فمنعه اللّه منه . وقيل : عتيق لم يملكه أحد قطّ ، وهو مطاف أهل الغبراء ، كما أن البيت المعمور مطاف أهل السماء .

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 30 إلى 31 ]

ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( 30 ) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ ( 31 )
ذلِكَ
أي : الأمر ذلك ، وهذا من فضل الكلام ، كما يقدم الكاتب جملة من الكلام ، ثم يقول : هذا ، وقد كان كذا وكذا وكذا ، إذا أراد أن يخرج من كلام إلى كلام آخر ، وإن كان له تعلق بما قبله . والكلام هنا متصل بتعظيم حرمات البيت ، فقال :
وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ
، جمع حرمة ، وهو ما لا يحل هتكه من الشريعة ، فيدخل ما يتعلق بالحج دخولا أوليا ، وقيل : حرمات اللّه : البيت الحرام ، والمشعر الحرام ، والبلد الحرام ، والشهر الحرام . وقيل : المحافظة على الفرائض والسنن واجتناب المعاصي ،
فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ
أي : فالتعظيم خير له ثوابا
عِنْدَ رَبِّهِ
، ومعنى التعظيم : العلم بوجوب مراعاتها ، والعمل بموجبه ، والاهتمام بشأنه ، والتأديب معه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قوله تعالى :
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ
، قال القشيري : أي : حوائجهم ، ويحققوا عهودهم ، ويوفوا نذورهم فيما عقدوه مع اللّه بقلوبهم ، فمن كان عقده التوبة ؛ فوفاؤه ألّا يرجع إلى العصيان ، ومن كان عهده اعتناق الطاعة ، فشرط وفائه ترك تقصيره ، ومن كان عهده ألّا يرجع إلى طلب مقام وتطلع إكرام ، فوفاؤه استقامته على الجملة ، التي دخل عليها في هذه الطريق ، بألا يرجع إلى استعجال نصيب واقتضاء حظ . ه . قلت : ومن كان عقده الوصول إلى حضرة القدس ومحل الأنس ، فوفاؤه ألا يرجع عن صحبة من سقاه خمرة المحبة ، وحمله إلى درجة المعرفة . ثم قال : ومن عاهد اللّه بقلبه ، ثم لا يفي بذلك ، فهو من جملة قول الزور . ه . وهو أيضا ليس بمعظّم لحرمات اللّه ، حيث طلبها ثم تهاون وتركها . واللّه تعالى أعلم .