تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
إسماعيل . وبنى الحجارة بعضها على بعض ، أي : بلا تراب ، ولم يجعل له سقفا ، وحفر له بئرا ، عند بابه خزانة للبيت ، يلقى ما يهدى له . ه . روى أن الكعبة الشريفة بنيت خمس مرات ، إحداها : بنتها الملائكة ، وكانت من ياقوتة حمراء ، ثم رفعت أيام الطوفان . والثانية : بناها إبراهيم عليه السّلام ، وقيل : إن جرهم كانت بنتها قبله ، ثم هدمت ، ويدل عليه : التجاء عاد إليها ، حين نزل بهم القحط . فأرسل اللّه عليهم الريح ، وكان ذلك قبل إبراهيم عليه السّلام ، والثالثة : بنتها قريش ، وقد حضرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل النبوة . والرابعة : بناها ابن الزبير ، والخامسة : الحجاج . ثم قال تعالى :
أَنْ لا تُشْرِكْ
أي : وقلنا له : ألا تشرك
بِي شَيْئاً
، بل خلص عملك في بنائها وغيره ، من شوائب حظ النفس ، عاجلا وآجلا ، لا طمعا في جزاء ، ولا خوفا من عقوبة ، بل محبة وشكرا وعبودية . قال القشيري : أي : لا تلاحظ البيت ولا بنيانك . ه . وقيل : في الآية طعن على من أشرك من قطّان البيت ، أي : هذا الشرط كان على أبيكم فمن بعده وأنتم ، فلم تقبلوه ، بل أشركتم وصددتم وألحدتم ، فاستحققتم التوبيخ والذم على سلوككم على غير طريق أبيكم .
وَطَهِّرْ بَيْتِيَ
من الأصنام والأقذار ،
لِلطَّائِفِينَ
به
وَالْقائِمِينَ
للصلاة فيه ، أو المقيمين فيه ،
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
أي : المصلين ، جمعا من راكع وساجد . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : إن الذين كفروا بطريق الخصوصية ، ويصدون الناس عن الدخول فيها ، ويعوقونهم عن مسجد الحضرة ، الذي جعله للناس محلا تسكن فيه قلوبهم ، وتعشش فيه أرواحهم . فكل من قصده وباع نفسه وقلبه للّه ، وصله ودخله ، وهو محل المشاهدة والمكالمة ، والمساررة والمناجاة ، محل شهود الحبيب والمساررة مع القريب ، محل نزهة الأفكار في فضاء الشهود والاستبصار ، فمن عاق عنها نذقه من عذاب أليم . وقوله تعالى :
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
، قال القشيري : فيه إشارة إلى أن التفاوت إنما يكون في الطريق ، وأما بعد الوصول ، فلا تفاوت . ثم إذا اجتمعت النفوس ، فالموضع الواحد مجمعها ، ولكن لكلّ حال يعرف به « 1 » . ه . قلت : مقام التوحيد الخاص ، وهو الفناء ، هو محل الاجتماع ، وتتفاوت بعد ذلك أذواقهم ومواجيدهم ، وازدياد كشوفاتهم وترقياتهم ، تفاوتا بعيدا ، على حسب التفرغ والانقطاع ، والتأهب والاتباع ، حسبما سبقت به القسمة الأزلية . وقال الورتجبي ، على قوله تعالى : ( وإذ بوأنا . . . ) الآية : هيأ لخليله وجميع أحبائه بيته ، ودلّه إلى ما فيه من الكرامات والآيات ، وما ألبسه من أنوار حضرته ؛ ليكون وسيلة لعبادته ، ومرآة لأنوار آياته . ه . قلت : الإشارة بالبيت
هامش
( 1 ) بالمعنى .