تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
ياسين : قال لي شيخ في الطواف : من أين أنت ؟ فقلت : من خراسان . فقال : كم بينك وبين البيت ؟ فقلت : مسيرة شهرين أو ثلاثة . قال : فأنتم جيران البيت . فقلت : وأنت من أين سعيت ؟ فقال : من مسيرة خمس سنوات ، وخرجت وأنا شاب ، فاكتهلت . فقلت : هذه واللّه هي الطاعة الجميلة ، والمحبة الصادقة ، فضحك . وقال :
زر من هويت ، وإن شطت بك الدار * وحال من دونه حجب وأستار
لا يمنعنك بعد عن زيارته * إنّ المحب لمن يهواه زوّار
لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
أي : يأتوك ليحضروا منافع لهم ، دنيوية ودينية ، لا توجد في غير هذه العبادة ؛ كالطواف ونظر الكعبة ، وتضعيف أمر الصلاة ؛ لأن العبادة شرعت للابتلاء بالنفس كالصلاة والصوم ، أو بالمال ، وقد اشتمل الحج عليهما ، مع ما فيه من تحمل الأثقال وركوب الأهوال ، وقطع الأسباب وقطيعة الأصحاب ، وهجرة البلاد والأوطان ، ومفارقة الأهل والولدان . ولذلك ورد أنه يكفر الذنوب كلها ، كما في الحديث : « من حجّ هذا البيت فلم يرفث ، ولم يفسق ، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه » « 1 » .
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ
عند ذبح الضحايا والهدايا
فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ
، وهي أيام النحر عند مالك ، وعند الشافعي : اليوم الأول والثاني والثالث ؛ لأن هذه هي أيام الضحايا عنده . ولم يجز ذبحها بالليل ؛ لقوله :
فِي أَيَّامٍ
. وقال أبو حنيفة : الأيام المعلومات : عشر ذي الحجة ويوم النحر ، وهو قول ابن عباس رضى اللّه عنه ، وأما الأيام المعدودات ، فهي : الثلاثة بعد يوم النحر - فيوم النحر معلوم لا معدود ، ورابعه : معدود لا معلوم ، واليومان بعده : معلومان ومعدودان . فيذكروا اسم اللّه
عَلى ما رَزَقَهُمْ
أي : على ذبح ما رزقهم
مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ
، وهي الإبل والبقر والغنم ،
فَكُلُوا مِنْها
؛ من لحومها ، والأمر : للإباحة ، ولإزاحة ما كانت عليه الجاهلية من التحرج . قال ابن جزى : ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا ، ويتصدق بالأكثر . ه . وقال النسفي : ويجوز الأكل من هدى التطوع والمتعة والقران ؛ لأنه دم نسك ؛ لأنه أشبه الأضحية ، ولا يجوز الأكل من بقية الهدايا . ه . وهو حنفي ، وفي مذهب مالك تفصيل يطول ذكره .
وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ
، وهو الذي أصابه البؤس ، أي : ضرر الحاجة ، وقيل : المتعفف ، وقيل : الذي يظهر عليه أثر الجوع ،
الْفَقِيرَ
: المحتاج الذي أضعفه الإعسار .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( الحج ، باب فضل الحج المبرور ) ، ومسلم في ( الحج ، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ) ، عن أبي هريرة .