يتولى اللّه قبض أرواحهم بيده ، فتطيب أجسادهم به ، فلا يعدوا عليها الثرى ، حتى يبعثوا بها مشرقة بنور البقاء الأبد مع الباقي الأحد عز وجل . ه .
وقال أبو يزيد رضي اللّه عنه : أولياء اللّه تعالى عرائس ، ولا يرى العرائس إلا من كان محرما لهم ، وأما غيرهم فلا . وهم مخبأون عنده في حجاب الأنس ، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة . ه . وجميع ما أجاب به الأنبياء قومهم يجيب به الأولياء من أنكر عليهم ، من قوله :
( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا )
، من التعلق بالأسباب والانهماك في الحظوظ ، ومتابعة الهوى ، وحب الدنيا ، ومن قولهم :
( فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ )
إلى تمام ما أجابوا به . واللّه تعالى أعلم .
ثم ذكر تخويف الكفار للرسل بإخراجهم من الديار ، فقال :
[ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 13 إلى 17 ]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ( 13 ) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ( 14 ) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 )
قلت :
( وَاسْتَفْتَحُوا )
: معطوف على
( فَأَوْحى )
؛ إن كان الضمير للرسل ، واستئناف إن كان للكفار . و
( يُسْقى )
:
معطوف على محذوف ، أي : يلقى فيها ويسقى ، و
( صَدِيدٍ )
: عطف بيان لماء ، و
( يَتَجَرَّعُهُ )
: صفة لماء ، أو حال من ضمير
( يُسْقى )
.
يقول الحق جل جلاله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ
؛ تخويفا لهم : واللّه
لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا
، حلفوا ليكونن أحد الأمرين ؛ إما إخراج الرسل من ديارهم ، أو عودهم إلى ملتهم ، والعود هنا بمعنى الصيرورة ؛ لأنهم لم يكونوا على ملتهم ، كما تقدم في قصة شعيب عليه السّلام . ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ، ولمن آمن معه ، فغلّب الجماعة على الواحد ، وقال الذين كفروا في كل عصر لكل رسول أتاهم : لنخرجنك ، أو لتعودن في ملتنا .
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ
أي : إلى رسلهم ، مجتمعين أو مفترقين - على القولين - وقال في إيحائه : واللّه
لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ
فتخلى بلادهم ،
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ
أي : أرضهم وديارهم ،