تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
ثم ذكر ما أجاب به الكفار رسلهم ، فقال :
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا
يقول الحق جل جلاله : وقال الذين كفروا لرسلهم :
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
لا فضل لكم علينا ، فلم تختصون بالنبوة دوننا ، ولو شاء اللّه أن يبعث رسلا إلى البشر لأرسلهم من جنس أفضل ، كالملائكة ، أو : ما أنتم إلا بشر ، والبشر لا يكون رسولا . قال ابن جزى : يحتمل أن يكون استبعادا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة ، أو يكون إحالة لنبوة البشر ، والأول أظهر ؛ لطلبهم البرهان بقولهم :
فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
، ولقول الرسل :
وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
. ه . ثم قالوا للرسل :
تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا
من الأصنام بهذه الدعوى ،
فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
: ببرهان بيّن يدل على فضلكم ، واستحقاقكم لهذه المرتبة التي هي مرتبة النبوة . كأنهم لم يعتبروا ما جاءوا به من البينات والحجج ، فاقترحوا عليهم آية أخرى ؛ تعنتا ولجاجا .
قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ
: ما نحن
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
بالنبوة والرسالة ، فمنّ علينا بذلك ، وإن كنا بشرا مثلكم ، سلّموا لهم مشاركتهم في الجنس ، وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل اللّه ومنّه عليهم . وفيه دليل على أن النبوة مواهب عطائية لا كسبية . ثم أجابوهم عما اقترحوا بقولهم :
وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
، فليس لنا الإتيان بآيات ، ولا في قدرتنا أن نأتيكم بما اقترحتموه ، وإنما هو أمر متعلق بمشيئة اللّه ، يخص من يشاء بها ، على ما تقتضيه حكمته وسابق إرادته .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
، فلنتوكل نحن عليه ، في الصبر على معاناتكم ومعاداتكم . عمموا الأمر بذكر المؤمنين ؛ للإشعار بأن الإيمان موجب للتوكل ، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا ، ألا ترى قولهم :
وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ
أي : أىّ عذر لنا في ترك التوكل على اللّه ؟
وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا
أي : طرقنا التي نعرفه بها ، فنوحده ، ونعلم أن الأمور كلها بيده ،
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا
: على أذاكم حتى يحكم الله بيننا ، وهو جواب عن قسم محذوف ، أكدوا به توكلهم ، وعدم مبالاتهم بما يجرى من الكفار عليهم .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
أي : فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم ، المسبب عن إيمانهم . قاله البيضاوي تبعا للزمخشري .