تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
الإشارة : ما خوّفت الكفار به رسلهم خوفت به العوام فقراءهم وأولياءهم ، قال التجيبى ، في الإنالة ، لما تكلم على خفاء الأولياء ، قال : ومعلوم أن العصمة لم تثبت إلا للنبيين والرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأنّ غيرهم يصيب ويخطئ ، ويذنب ويتوب ، لكن لما سطرت مناقب الرجال ، وكراماتهم ، ولم تذكر سيئاتهم ، وطال العهد بهم ، ظن أكثر الخلق أن ليس لهم سيئات ، وقد كان لهم في أزمانهم المحب والمبغض ، والمسلّم والمنتقد . ثم قال : فمن يرضى يقول أحسن ما يعلم ، ومن يسخط يقول أقبح ما يعلم ، وقد رأى أولئك في أزمانهم من الأذى والتنقص ، وإساءة الظن بهم ما كان يقصر عنه صبر غيرهم ، وقد أخرج أبو يزيد البسطامي من بسطام مرارا ، ورفع الشبلي والخواص والنوري للسلطان ، وتستر الجنيد بالفقه حين ضيّق على الفقراء ، وقبض على الحلاج ، وضرب ، ومثّل به ، على أنه ساحر زنديق . ه . المراد منه . قلت : وقد وقع بنا في مدينة تطوان أيام التجريد أمثال هذا ، فقد خوفنا بالضرب مرارا ، وسجنا وأخرجنا من زاويتنا ، وقال لنا محتسبهم : واللّه لنخرجنكم من مدينتنا ، ونركبكم في سفينة إلى بر النصارى ، فقلت له : حبا وكرامة ، ولعلنا نذكرهم اللّه حتى يسلموا ، ولما وصل الخبر بهذه المقالة إلى شيخنا ، كتب لنا بهذه الآية :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ . . . .
إلخ . وكل آية في الكفار تجر ذيلها على من تشبه بهم ، وإن كان مسلما . وباللّه التوفيق . ثم ضرب مثلا لعمل الكفار ، فقال :

[ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 18 ]

مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) قلت :
( مَثَلُ )
: مبتدأ ، والخبر محذوف عند سيبويه ، أي : فيما يتلى عليكم مثلهم . وقال الفراء : الخبر ما بعده ، وهو جملة :
( أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ )
، أو
( أَعْمالُهُمْ )
: بدل ، والخبر :
( كَرَمادٍ )
، وعلى قول سيبويه تكون جملة :
( أَعْمالُهُمْ )
: مستأنفة لبيان مثلهم . يقول الحق جل جلاله :
مَثَلُ
أعمال
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
؛ في عدم الانتفاع بها وذهابها :
كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ
في الهوى بسرعة
فِي يَوْمٍ عاصِفٍ
: شديد ريحه . والعصف : اشتداد الريح . وصف به زمانه ؛ للمبالغة ، كقولهم : نهاره صائم ، وليله قائم . شبه صنائعهم ؛ من الصدقة ، وصلة الرحم ، وإغاثة الملهوف ، وعتق الرقاب ، ونحو ذلك من مكارمهم ؛ في حبوطها - لبنائها على غير أساس من الإيمان باللّه ، والتوجه بها إليه - بغبار طارت به الريح العاصفة
فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ، لا يَقْدِرُونَ
يوم القيامة
مِمَّا كَسَبُوا
من أعمالهم
عَلى شَيْءٍ
من الانتفاع بها ؛ لحبوطها ، وتلاشيها ، فلا يقدرون منها على شئ ، ولا يجدون ثوابها ،