تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 498

مساهمون:

ص٤٩٨
يقول الحق جل جلاله :
وَحَرامٌ
أي : ممتنع
عَلى
أهل
قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
؛ قدرنا هلاكها ، أو حكمنا بإهلاكها ؛ لعتوهم ،
أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ
بالبعث والحشر ، بل لا بد من بعثهم وحشرهم وجزائهم على أعمالهم . وتخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذكر مع شمول الامتناع للكل ؛ لقوله :
كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
؛ لأنهم المنكرون للبعث والرجوع دون غيرهم . وقيل : المعنى : وممتنع على قرية ، أردنا إهلاكها ، رجوعهم إلى التوبة ، أو ممتنع على قرية ، أهلكناها بالفعل ، رجوعهم إلى الدنيا . وفيه رد على مذهب القائلين بالرجعة من الروافض وأهل التناسخ ، على أن « لا » صلة . وقرىء بالكسر « 1 » ، على أنه تعليل لما قبله ، فحرام ، على هذا ، خبر عن مبتدأ محذوف ، أي : ذلك العمل الصالح حرام على قرية أردنا إهلاكها ؛ لأنهم لا يرجعون عن غيهم . وقال الزجاج : المعنى : وحرام على قرية ، أردنا إهلاكها ، أن يتقبّل منهم عمل ؛ لأنهم لا يرجعون ، أي : لا يتوبون ، ويجوز حمل المفتوحة على هذا بحذف اللام ، ويستمرون على ما هم عليه من الهلاك ، أو : فليستمر امتناعهم من الرجوع .
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ
ونفخ في الصور ، وقامت القيامة ، فيرجعون ، ولا ينفعهم الرجوع . ويأجوج ومأجوج قبيلتان ، يقال : الناس عشرة أجزاء ، تسعة منها يأجوج ومأجوج . والمراد بفتحها : فتح سدها ، على حذف مضاف ؛ أي : حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج ،
وَهُمْ
أي : يأجوج ومأجوج ، وقيل : الناس بعد البعث ،
مِنْ كُلِّ حَدَبٍ
أي : نشز ومرتفع من الأرض ،
يَنْسِلُونَ
: يسرعون ، وأصل النسل : مقاربة الخطو مع الإسراع . ويدل على عود الضمير ليأجوج ومأجوج : قوله - عليه الصلاة والسّلام - : « ويفتح ردم يأجوج ومأجوج ، فيخرجون على الناس ، كما قال اللّه تعالى :
مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ . . .
» الحديث « 2 » ، ويؤيد إعادته على الناس قراءة مجاهد : « من كل جدث » ؛ بالجيم ، وهو القبر . ثم قال تعالى :
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ
أي : ما بعد النفخة الثانية من البعث والحساب ،
فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ
أي : فإذا القصة أو الشأن ، وهو
أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
شاخصة ، أي : مرتفعة الأجفان ، لا تكاد تطرق من شدة الهول ، حال كونهم يقولون :
يا وَيْلَنا
؛ يا هلكتنا ، هذا أوانك ، فاحضرى ،
قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ
تامة
مِنْ هذا
الذي دهمنا ؛ من البعث ، والرجوع إليه تعالى ، للجزاء ، ولم نعلم ، حيث نبّهنا عليه بالآيات والنذر ، أنه حق ،
بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ
بتلك الآيات والنذر ، مكذبين بها ، أو ظالمين أنفسنا ؛ بتعريضها للعذاب
هامش
( 1 ) في قوله : « إنهم » . ( 2 ) أخرجه ، مطولا ، مسلم ، في ( الفتن ، وأشراط الساعة ، باب ذكر الدجال ) ، من حديث النواس بن سمعان .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 498 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان