تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
جسم مستدير ، وأنهن تسعة ، وهل هي السماوات السبع ، فيكون الكرسي ثامنا ، والعرش تاسعا ، أو غيرهن ، فتكون تحت السماوات أو فوقها ؟ قولان لهم . والمراد هنا : الجنس ، كقولك : كساهم الأمير حلة ، أي : حلة حلة ، وجعل الضمير واو العقلاء ؛ لأن السباحة حالهم . قال في المستخرج من كتاب الغزنونى :
« كُلٌّ »
أي : كل واحد من الشمس والقمر وسائر السيارة ، وإن لم تذكرن ؛ لأنه جمع قوله :
( يُسَبِّحُونَ )
والمعنى : يجرون كالسابح ، أو يدورون ، والسيارة تجرى في الفلك على عكس جرى الفلك ، ولها تسعة أفلاك ، فالقمر في الفلك الأدنى ، ثم عطارد ، ثم الزهرة ، ثم الشمس ، ثم المريخ ، ثم المشترى ، ثم زحل ، والثامن : فلك البروج ، والتاسع : الفلك الأعظم . ه . وقال في سورة يس : خص الشمس والقمر هنا ، وفي سورة الأنبياء ؛ لأن سيرهما أبدا على عكس دور الفلك ، وسير الخمسة قد يكون موافقا لسيره عند رجوعها . ه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : أو لم ير الذين كفروا بوجود التربية أن سماوات الأرواح وأرض النفوس كانتا رتقا صلبة ، ميتة بالجهل ، ففتقناهما بالعلوم وأسرار التوحيد ؟ والمعنى : أن بعض الأرواح والنفوس تكون ميتة صلبة ، فإذا صحبت أهل التربية ، انفتقت بالعلوم والأسرار ، فهذا شاهد بوجود أهل التربية ، ومن قال بانقطاعها فقوله مردود بالمشاهدة . وجعلنا من ماء الغيب - وهي الخمرة الأزلية - كلّ شئ حي ، أفلا يؤمنون بوجود هذا الماء عند أربابه ؟ وجعلنا في أرض النفوس جبالا من العقول ؛ لئلا تميل إلى الهوى فتموت ، وجعلنا فيها طرقا يسلك منها إلى الحضرة ، وهي كيفية الرياضة وأنواع المجاهدة ، وهي طرق كثيرة ، والمقصد واحد ، وهو الوصول إلى الفناء والبقاء ، التي هي معرفة الحق بالعيان ، وهو قوله تعالى :
( لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ )
إلى الوصول إلى حضرتنا . وجعلنا السماء ، أي : سماء القلوب الصافية ، سقفا محفوظا من الخواطر والوساوس والشكوك والأوهام والشياطين ، قال بعضهم : ( إذا كان الحق تعالى قد حفظ السماء بالشهب من الشياطين ، فقلوب أوليائه أولى بالحفظ ) . وهم عن آياتها ، أي : عن دلائل حفظها وصيانتها معرضون ؛ لانهماكهم في الغفلة . وهو الذي خلق ليل القبض ونهار البسط وشمس العرفان وقمر توحيد الدليل والبرهان ، كلّ في موضعه ، لا يتعدى أحد على صاحبه ، ولكل واحد سير معلوم وأدب محتوم . وباللّه التوفيق . ولمّا قامت الحجة على الكفرة بما ذكر من الآيات والدلائل القاطعة ، وانقطعوا ، قالوا : ننتظر به ريب المنون ، فنستريح منه ، فأنزل اللّه تعالى :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 34 إلى 35 ]

وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ ( 34 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ ( 35 )