تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
ثم برهن على وحدانيته ، فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 30 إلى 33 ]

أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 31 ) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ ( 32 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( 33 ) قلت :
« فِجاجاً »
: حال من « سبل » ، وأصله : وصف له ، فلما تقدم أعرب حالا . وقيل
« سُبُلًا »
: بدل من
« فِجاجاً »
. وفي إتيانه : إيذان أن تلك الفجاج نافذة ؛ لأن الفج قد يكون نافذا وقد لا . قاله المحشى . يقول الحق جل جلاله :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا
رؤية اعتبار
أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
أي : جماعة السماوات وجماعة الأرض
كانَتا
، ولذلك لم يقل كنّ ،
رَتْقاً
أي : ملتصقة بعضها ببعض . والرتق : الضم والالتصاق . وهو مصدر بمعنى المفعول ، أي : كانتا مرتوقتين ، أي : ملتصقتين ،
فَفَتَقْناهُما
؛ فشققناهما ، فالفتق ضد الرتق . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : « كانتا شيئا واحدا متصلتين ، ففصل اللّه بينهما ، فرفع السماء إلى حيث هي ، وأقرّ الأرض » . وفي رواية عنه : أرسل ريحا فتوسطتهما ففتقتهما . وقال السدى : ( كانت السماوات مؤتلفة طبقة واحدة ، ففتقها ، فجعلها سبع سماوات ، وكذلك الأرض ، كانت طبقة واحدة ، ففتقها ، فجعلها سبع أرضين ) . فإن قيل : متى رأوهما رتقا حتى جاء تقريرهم بذلك ؟ قلنا : مصب الكلام والتقرير هو فتق السماوات ورفعها ، وهو مشاهد بالأبصار ، وهم متمكنون من النظر والاعتبار ، فيعلمون أن لها مدبرا حكيما ، فتقها ورفعها ، وهو الحق جل جلاله ، وذكر الرتق زيادة إخبار ، فكأنه قال : ألم يروا إلى فتق السماوات ورفعها ؟ وقال الكواشي : لمّا كان القرآن معجزا ، كان وروده برتقهما كالمشاهد المرئي ، أو : لمّا كان تلاصق السماوات والأرضين ، وما بينهما ، وتباينهما ، جائزا عقلا ، وجب تخصيص التلاصق من التباين ، وليس ذلك إلا للّه تعالى . ه . وقيل : كانت السماوات صلبة لا تمطر ، والأرض رتقا لا تنبت ، ففتق السماء بالأمطار ، والأرض بالنبات . وروى هذا عن ابن عباس أيضا ، وعليه أكثر المفسرين ، وعلم الكفرة الرتق والفتق ، بهذا المعنى ، مما لا خفاء فيه . والرؤية على الأول رؤية علم ، وعلى الثاني رؤية عين .
وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ
أي : خلقنا من الماء كل حيوان ، كقوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
« 1 » ، وذلك لأنه من أعظم مواده ، أو لفرط احتياجه إليه ، وحبه له ، وعدم صبره عنه ، وانتفاعه به ، ويدخل
هامش
( 1 ) من الآية 45 من سورة النور .