ثم ردّ على أهل الباطل فقال :
وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
أي : وقد استقر لكم الويل والهلاك ؛ من أجل ما تصفونه ، سبحانه ، بما لا يليق بشأنه الجليل ، من الولد والزوجة ، وغير ذلك مما هو باطل . وهو وعيد لقريش ومن دان دينهم ، بأنّ لهم أيضا مثل ما لأولئك القرى المتقدمة من الهلاك ، إن لم ينزجروا . واللّه تعالى أعلم .
الإشارة : ما نصبت لك الكائنات لتراها كائنات ، بل لتراها أنوارا وتجليات ، الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته ، فالغير والسّوى عند أهل الحق باطل ، والباطل لا يثبت مع الحق . قال تعالى
( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ )
. قال القشيري : ندخل نهار التحقيق على ليالي الأوهام ، أي : فتمحى ، وتبقى شمس الأحدية ساطعة . ه . وباللّه التوفيق .
ثم قرر وحدانيته تعالى في ملكه وملكوته ، فقال :
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 19 إلى 25 ]
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ( 21 ) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 22 ) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 )
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 24 ) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 )
يقول الحق جل جلاله :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : له جميع المخلوقات ، خلقا وملكا ، وتدبيرا وتصرفا ، وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل ، لا استقلالا ولا استتباعا ، ولا فرق بين أهل العالم العلوي والسفلى ،
وَمَنْ عِنْدَهُ
وهم الملائكة - عليهم السلام - عبّر عنهم بذلك إثر ما عبّر عنهم بمن في السماوات ؛ تنزيلا لهم - لكرامتهم عليه ، وزلفاهم عنده - منزلة المقربين عند الملك ، وهو مبتدأ وخبره :
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
أي : لا يتعاظمون عنها ، ولا يعدون أنفسهم كبراء ،
وَلا يَسْتَحْسِرُونَ
أي : لا يكلّون ولا يعيون ،
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
أي : ينزهونه في جميع الأوقات ، ويعظمونه ويمجدونه دائما . وهو استئناف بيانى ، كأنه قيل : ماذا يصنعون في عبادتهم ، أو كيف يعبدون ؟ فقال : يسبحون . . . إلخ .
لا يَفْتُرُونَ
أي : لا يتخلل تسبيحهم فترة أصلا ، ولا شغل آخر .