تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
بطريق الاستهزاء والتوبيخ :
لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
من النعم والتلذذ
وَ
إلى
مَساكِنِكُمْ
التي كنتم تفتخرون بها ،
لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ
؛ تقصدون للسؤال ، إذ كانوا أغنياء ، أو للتشاور والتدبر في المهمات والنوازل ، أو تسألون الفداء فتفتدوا من العذاب ، أو تسألون عن قتل نبيكم وفيم قتلتموه . قيل : نزلت في أهل حاضورا ، قرية باليمن ، وكان أهلها العرب ، فبعث اللّه إليهم نبيا فكذبوه وقتلوه ، فسلط اللّه تعالى عليهم بختنصّر ، فقتلهم وسباهم ، فلما انهزموا وهربوا قالت لهم الملائكة : لا تركضوا ، وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم ؛ استهزاء بهم ، وأتبعهم بختنصر ، فأخذتهم السيوف ، ونادى مناد من السماء : يا لثارات الأنبياء ، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم ، فقالوا :
يا وَيْلَنا
؛ يا هلاكنا ؛
إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
مستوجبين العذاب . وهذا اعتراف منهم وندم حين لم ينفعهم ذلك .
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ
أي : فما زالوا يرددون تلك الكلمة ، ويدعون بها ، ويقولون : يا ويلنا ،
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً
أي : مثل الحصيد ، وهو المحصود من الزرع والنبات ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، فلذلك لم يجمع ، كجريح وقتيل . وجعلناهم
خامِدِينَ
؛ ميتين ، من خمدت النار إذا طفئت . وهو ، مع
« حَصِيداً »
، في حيز المفعول الثاني لجعل ، كقولك : جعلته حلوا حامضا ، والمعنى : جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود ، أو حال من الضمير المنصوب في
« جَعَلْناهُمْ »
، ولفظ الآية يقتضى العموم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : وكم من قرية من قرى القلوب قصمنا أهلها ، أي : ما فيها من الشكوك والأوهام ، كانت ظالمة بتلك الخواطر ، فأخرجناهم منها ، وأنشأنا بعدها أنوارا وأسرارا وعلوما آخرين . فلما أحسوا بأسنا بورود الواردات الإلهية عليها ، التي تأتى من حضرة القهار ، إذا هم منها يركضون ؛ لأن الواردات الإلهية تأتى من حضرة القهار ، لأجل ذلك لا تصادم شيئا من الظلمات إلا دمغته ، فيقال لتلك الظلمات ، التي هي الشكوك والأوهام : لا تركضوا ، ولكن ارجعوا أنوارا ، وانقلبوا واردات وأسرارا ، وتنعموا في محلكم بشهود الحق ، لعلكم تسألون ، أي : تستفتون في الأمور ، لأن القلب إذا صفا من الأكدار استفتى في العلوم ، وفي الأمور التي تعرض ، قالوا بلسان الحال - أي تلك الظلمات - : يا ويلنا إنا كنا ظالمين ؛ بحجب صاحبنا عن اللّه ، فما زالت تلك دعواهم حتى صاروا خامدين ، هامدين ، ساكنين تحت مجارى الأقدار ، مطمئنين باللّه الواحد القهار ، وهذه إشارة دقيقة ، لا يفهمها إلا دقيق الفهم غزير العلم . وباللّه التوفيق . ثم بيّن أن إهلاك تلك القرى الظالمة كان لحكمة بليغة ومصلحة بديعة ، ولم يكن عبثا ؛ لأنه تعالى منزه عن اللعب في خلقه ، فقال :