تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 450

مساهمون:

ص٤٥٠
أو :
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
مما يليق بشأننا من المجردات ، لا من الأجسام المرفوعة والأجرام الموضوعة ، كعادة الجبابرة ؛ من رفع العروش وتحسينها ، وتمهيد الفرش وتزيينها ، لأغراض عراض ، لكن يستحيل إرادتنا لذلك ؛ لمنافاته للحكمة الإلهية المنزهة عن الأغراض . ه . من أبى السعود ، وأصله للزمخشري . وفيه تكلف . وسأل طاوس ومجاهد الحسن عن هذه الآية ؟ فقال : اللهو : المرأة . وقال ابن عباس : « الولد » . ومعنى
( لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا )
: بحيث لا يطلعون عليه ، وما اتخذنا نساء وولدا من أهل الأرض . نزلت في الذين قالوا : اتخذ اللّه ولدا . وتكون الآية ، حينئذ تتميما لما قبلها ، أي : ليس اللعب واللهو من شأننا ، إذ لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا . قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن الفاسي : حمل الآية على الزوجة غير مفيد ، إلا أن يراد بذلك مجرد الرحمة والشفقة ، مما يمكن عقلا ، فيصح دخول النفي الشرعي عليه . انظر ابن عرفة ، فقد جوّز ، عقلا ، اتخاذه على معنى الرحمة . وكذا ابن عطية في آية الزمر « 1 » . ومنع ذلك القشيري . قلت : وكأنه لما يشير إليه قوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
« 2 » فإن القهر لا يناسب التبني بوجه ، وقد يقال : إنه مانع سمعي شرعي ، لا عقلي ، فلا يخالف ما قاله ابن عرفة ولا ابن عطية . وفيه نظر ؛ لأنه يؤدى إلى تعطيل اسمه القهار ونحوه ، وهو محال ، واللّه أعلم ه . قلت : قد حمل النسفي الآية على الولد ، فقال :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
أي : ولدا ، أو امرأة ، رد على من قال عيسى ابنه ، ومريم صاحبته ،
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
من الولدان أو الحور ،
إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
أي : إن كنا ممن يفعل ذلك ، ولسنا ممن يفعله لاستحالته في حقنا . ه . قلت : والذي تكلف الحمل الأول رأى أن حمله على الولد يقتضى جواز الاتخاذ عقلا ؛ وإنما منعه عدم الإرادة . وأجاب ابن عرفة : بأن يحمل الاتخاذ على معنى الرحمة ، لا على حقيقة البنوة . قلت : من خاض بحار التوحيد الخاص وحاز مقام الجمع ، لا يتوقف في مثل هذا ؛ إذ تجليات الحق لا تنحصر ، لكن لم يوجد منها ، ولم تتعلق إرادته إلا بما هو كمال في حقه تعالى في باب القدرة ، وأما باب الحكمة ، فهي رداء لمحل النقائص ، فافهم ، واصحب أهل الجمع حتى يفهموك ما ذكرت لك ، والسلام . ثم قال تعالى :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ
أي : نرمى بالحق ، الذي هو الجد ، على الباطل ، الذي من جملته اللهو ، وهو إضراب عن اتخاذ الولد ، بل عن إرادته ، كأنه قيل : لكنا لا نريده ، بل شأننا أن نقذف بالحق على الباطل
فَيَدْمَغُهُ
: فيمحقه بالكلية ، كما فعلنا بأهل القرى المحكية وأمثالهم . وقد استعير ، لإيراد الحق على الباطل ، القذف ، الذي هو الرمي الشديد ، وللباطل الدمغ ، الذي هو تشتيت الدماغ وتزهيق الروح ، فكأنّ الباطل حيوان له دماغ ، فإذا تشتت دماغه مات واضمحل ،
فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
أي : فإذا الباطل ذاهب بالكلية ، متلاش عن أصله . وفي ( إذا ) الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال السرعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى .
هامش
( 1 ) في قوله تعالى :لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ . . .الآية . ( 2 ) من الآية 4 من سورة الزمر .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 450 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان