تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
لحكمة ، فمنها ما أدركتم حكمته ، ومنها ما غاب عنكم ، فكلوا أمره إلى اللّه ، ولا تسألوه عما يفعل ، فإنه لا يسأل عن فعله ، وأنتم تسألون . ثم قال تعالى :
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
، هو إضراب وانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهة ؛ بإظهار خلوها من خصائص الألوهية ، التي من جملتها إنشار الموتى ، وإقامة البرهان القاطع على استحالة تعدد الإله ، إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة ، مع عرائها عن تلك الخصائص ، وتبكيتهم بإلجائهم إلى إقامة البرهان على دعواهم الباطلة . والهمزة : لإنكار ما اتخذوه واستقباحه ، أي : بل اتخذوا من دونه - أي : متجاوزين إياه تعالى ، مع ظهور شؤونه الجليلة الموجبة لتفرده بالألوهية - آلهة ، مع ظهور خلوهم عن خصوص الإلهية بالكلية .
قُلْ
لهم ، بطريق التبكيت :
هاتُوا بُرْهانَكُمْ
على ما تدّعونه ، من جهة العقل والنقل ؛ فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية ، لا سيما في هذا الأمر الخطير ، فإن بهتوا فقل لهم :
هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي
أي : بهذا نطقت الكتب السماوية قاطبة ، وشهدت به سنّة الرسل المتقدمة كافة . فهذا الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمن للبرهان القاطع
ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ
من أمتي ، أي : عظتهم ،
وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي
من الأمم السالفة ، أي : بهذا أمرنا ربنا ووعظنا ، وبه أمر من قبلنا ، يعنى : انفراده سبحانه بالألوهية واختصاصه بها . وقيل : المعنى : هذا كتاب أنزل على أمتي ، وهذا كتاب أنزل على أمم الأنبياء - عليهم السلام - قبلي ، فانظروا : هل في واحد منها غير الأمر بالتوحيد والنهى عن الإشراك ، ففيه تبكيت لهم .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ
أي : لا يفهمونه ، ولا يميزون بينه وبين الباطل ، فهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بمطالبة البرهان ، إلى بيان أنه لا ينجع فيهم المحاججة ؛ لجهلهم وعنادهم ، ولذلك قال :
فَهُمْ مُعْرِضُونَ
أي : فهم ؛ لأجل جهلهم وعتوهم مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول ، لا يرعوون عما هم عليه من الغى والضلال ، وإن كررت عليهم البينات والحجج . أو معرضون عما ألقى عليهم من البراهين العقلية والنقلية ؛ لانهماكهم .
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي
« 1 »
إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
، هذا مقرر لما قبله ؛ من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الإلهية ، وأجمعت عليه الرسل - عليهم السلام - قاطبة . وصيغة المضارع في ( يوحى ) ؛ لحكاية الحال الماضية ؛ استحضارا لصورة الوحي العجيبة . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قوله تعالى :
( وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ )
، العندية ، هنا ، عندية اصطفاء وتقريب ، وهذه صفة العارفين المقربين ، لا يستكبرون عن عبادته ، بل خاضعون لجلاله وقهريته على الدوام ، ولا يستحسرون :
هامش
( 1 ) قرأ حمزة والكسائي وحفص :( نُوحِي )؛ بالنون وكسر الحاء ، على التعظيم ، وقرأ الآخرون - بالياء وفتح الحاء ، ( انظر : الإتحاف 2 / 262 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 453 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان