تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
ثم ردّ على من أنكر رسالة البشر ، فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 7 إلى 10 ]

وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 ) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ ( 8 ) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ ( 9 ) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 10 ) يقول الحق جل جلاله في جواب قول الكفرة :
هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
« 1 » بعد تقديم الجواب عن قولهم :
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ
؛ لأنهم قالوه بطريق التعجيز ، فلابد من المسارعة إلى رده ، كما تقدم مرارا في الكتاب العزيز ، كقوله
إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ . .
« 2 » الآية ،
ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ
الآية « 3 » . إلى غير ذلك ، فقال جل جلاله :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ
في الأمم السالفة
إِلَّا رِجالًا
؛ بشرا من جنس القوم الذين أرسلوا إليهم ؛ لأن مقتضى الحكمة أن يرسل البشر إلى البشر ، والملك إلى الملك ، حسبما نطق به قوله تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا
« 4 » فإن عامة البشر لا تطيق المفاوضة مع الملك ؛ لتوقفها على التناسب بين المفاوض والمستفيض ؛ فبعث لكل جنس ما يناسبه ؛ للحكمة التي يدور عليها فلك التكوين والتشريع ، والذي تقتضيه الحكمة الإلهية أن يبعث الملك إلى خواص البشر المختصين بالنفوس الزكية ، المؤيدين بالقوة القدسية ، المتعلقين بالعالم الروحاني والجسماني ، ليتلقوا من جانب العالم الروحاني ، ويلقوا إلى العالم الجسماني ، فبعث رجالا من البشر يوحى إليهم على أيدي الملائكة أو بلا واسطة . والمعنى : وما أرسلنا إلى الأمم ، قبل إرسالك إلى أمتك ، إلا رجالا مخصوصين من أفراد الجنس ، متأهلين للاصطفاء والإرسال ،
نُوحِي إِلَيْهِمْ
، بواسطة الملك ، ما يوحى من الشرائع والأحكام ، وغيرهما من القصص والأخبار ، كما يوحى إليك من غير فرق بينهما ،
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
أي : فاسألوا ، أيها الجهلة ، أهل العلم ؛ كأهل الكتب الواقفين على أحوال الرسل السالفة - عليهم الصلاة والسلام - لتزول شبهتكم إن كنتم لا علم لكم بذلك . أمروا بذلك ؛ لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم الضروري ، لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين عداوته صلى اللّه عليه وسلم ، ويشاورونهم في أمورهم ، فإذا أخبروهم أن الرسل إنما كانوا بشرا ، ولم يكونوا ملائكة ، حصل لهم العلم بالحق ، وقامت الحجة عليهم .
هامش
( 1 ) من الآية 3 من سورة الأنبياء . ( 2 ) من الآية 33 من سورة هود . ( 3 ) الآية 8 من سورة الحجر . ( 4 ) الآية 95 من سورة الإسراء .