تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
قلت :
« الَّذِينَ ظَلَمُوا »
: بدل من الواو ، منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم فيما أسروا به . وقال الكلبي : فيه تقديم وتأخير ، أراد الذين ظلموا أسروا النجوى . فيكون
« الَّذِينَ »
: مبتداء و
« أَسَرُّوا »
: خبر مقدم . وقال قطرب : على لغة بعض العرب ، يقولون : أكلوني البراغيث ، وهي بلغة بلحارث وغيرهم . وقال الفراء : بدل من الناس ، أي : اقترب للناس وهم الذين ظلموا . و
( هَلْ هذا . . )
إلخ : بدل من النجوى ، أو مفعول بقول مضمر ، كأنه قيل : ماذا قالوا في نجواهم ؟ فقيل : قالوا : هل هذا . . إلخ و
( أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ )
: حال من واو « تأتون » ؛ مقررة للإنكار ، مؤكدة للاستبعاد . و
( مِنْ قَرْيَةٍ )
: فاعل آمنت ، و
« مِنْ »
: صلة للعموم . و
( أَهْلَكْناها )
: صفة لقرية . يقول الحق جل جلاله :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى
: أخفوا تناجيهم بحيث لم يشعر أحد بما قالوا ، وهم
الَّذِينَ ظَلَمُوا
بالكفر والطغيان ، قائلين في تلك النجوى الشنيعة :
هَلْ هذا
أي : ما هذا الرجل الذي يزعم أنه رسول
إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
أي : من جنسكم ، وما أتى به سحر ،
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
أي : تعلمون ذلك فتأتونه ، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول ، وأنتم تعاينون أنه سحر ؟ . قالوا ذلك ، بناء على ما ارتكز في اعتقادهم الزائغ ، أن الرسول لا يكون إلا ملكا ، وأنّ كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق هو من قبيل السحر ، وغاب عنهم أن إرسال البشر إلى البشر هو الذي تقتضيه الحكمة التشريعية . قاتلهم اللّه أنى يؤفكون . وإذا أسروا ذلك ولم يعلنوه ؛ لأنه كان على طريق توثيق العهد ؛ خفية ، وتمهيدا لمقدمات المكر والكيد في هدم أمر النبوة ، وإطفاء نور الدين .
وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
. ثم فضح اللّه سرهم ونجواهم بقوله :
قالَ
« 1 »
رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أي : قل يا محمد : ربى يعلم القول ، سرا كان أو جهرا ، سواء كان في السماء أو الأرض ، فلا يخفى عليه ما تناجيتم به ، فيفضحكم به ويجازيكم عليه . وقرأ أكثر أهل الكوفة :
( قالَ )
؛ على الخبر ، وهو حكاية من جهته تعالى لما قاله - صلى اللّه عليه وسلم - بعد ما أوحى إليه أحوالهم وأقوالهم ؛ بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم ، وإيثار القول المشتمل على السر والجهر ؛ للإيذان بأن علمه تعالى بالسر والجهر على وتيرة واحدة ، لا تفاوت بينهما بالجلاء والخفاء ، كما في علوم الخلق .
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أي : المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات ، التي من جملة ما أسروه من النجوى ، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم .
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ
، هو إضراب من جهته تعالى ، وانتقال من حكاية قولهم السابق إلى حكاية قول آخر مضطرب في مضارب البطلان ، أي : لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه - عليه الصلاة والسلام - : هل هذا إلا بشر ، وفي حق ما ظهر على يديه من القرآن الكريم : إنه السحر ، بل قالوا : هو تخاليط
هامش
( 1 ) قرأ حمزة والكسائي وحفص : « قال ربى » . وقرأ الباقون : « قل » على الأمر . انظر الإتحاف ( 2 / 261 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 443 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان