أي : من طائفة نازلة من القرآن ، تذكر ذلك الحساب ، وتنبههم عن الغفلة عنه ، كائن أو نازل
مِنْ رَبِّهِمْ
، أو ذاكر ومذكر من ناحية ربهم . وفي إضافته إليه سبحانه دلالة على شرفه ، وكمال شناعة ما فعلوه من الإعراض عنه ، وفي التعبير بعنوان الربوبية تشنيع لكمال عتوهم ، ومن صفة ذلك الذكر
مُحْدَثٍ
تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة ، بمعنى أنه نزل شيئا فشيئا ، أو قريب عهد بالنزول ، فمعاني القرآن قديمة ، وإظهاره بهذه الحروف والأصوات حادث . وقال ابن راهويه : قديم من رب العزة ، محدث إلى أهل الأرض .
فما ينزل عليهم شئ من القرآن يذكرهم ويعظهم
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
؛ لا يتعظون به ، ولا يتدبرون في معانيه ،
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 3 إلى 6 ]
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ( 3 ) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 4 ) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ( 5 ) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ ( 6 )
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ
؛ ساهية ، معرضة عن التفكر والتدبر في معانيه . وتقدير الآية : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ، في حال من الأحوال ، إلا حال استماعهم إياه كانوا لاعبين مستهزءين به ، لاهين عنه ، حال كون قلوبهم لاهية عنه ؛ لتناهى غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر والتفكر في عواقب الأمور . واللّه تعالى أعلم .
الإشارة : حمل الآية على العموم هو الظاهر عند الصوفية . وقد ورد عن رجل من الصحابة أنه كان يبنى ، فلقى بعض الصحابة فقال : ماذا نزل اليوم من القرآن ؟ فقال له :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
، فنفض التراب ، وقال :
واللّه لا بنيت . ه . أي : اقترب للناس حسابهم على النقير والقطمير ، وهم في غفله عن التأهب والاستعداد ، معرضون عن اتخاذ الزاد ، ما يأتيهم من ذكر من ربهم ، يعظهم ويوقظهم ، إلا استمعوه بآذانهم ، وهم يلعبون ساهون عنه بقلوبهم ؛ لحشوها بالوساوس الشيطانية والعلائق النفسانية . لاهية قلوبهم عن التفكر والاعتبار والتدبر والاستبصار .
قال القشيري : ويقال : الغفلة على قسمين ؛ غافل عن حسابه ؛ لاستغراقه في دنياه ، وغافل عن حسابه ؛ لاستهلاكه في مولاه ، فالغفلة الأولى سمة الهجر ، والثانية صفة الوصل ، فالأولون لا يستفيقون من غفلتهم إلا في عسكر الموتى ، وهؤلاء لا يرجعون عن غيبتهم أبد الأبد ؛ لفنائهم في وجود الحق . ه . قلت : القسمة ثلاثية : قوم غفلوا عن حسابهم ؛ لاشتغالهم بحظوظهم وهواهم ، وهم : الغافلون الجاهلون ، وقوم ذكروا حسابهم ، وجعلوه نصب أعينهم ، وتأهبوا له ، وهم : الصالحون والعباد والزهاد ، وقوم غفلوا عنه ، وغابوا عنه ؛ لاستغراقهم في شهود مولاهم ، وهم : العارفون المقربون . جعلنا اللّه منهم بمنّه وكرمه .
ثم ذكر المنهمكين في الغفلة ، فقال :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى . . .