تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١

سورة الأنبياء

مكية . وهي مائة واثنتا عشرة آية . ومناسبتها لما قبلها : قوله تعالى :
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ
« 1 » ؛ لأن علم ذلك إنما يظهر ، حقيقة ، يوم الحساب الذي صدّر به السورة ، فقال تعالى :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 1 إلى 2 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ( 1 ) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ( 2 ) قلت :
( وَهُمْ )
: مبتدأ ، و
( فِي غَفْلَةٍ )
: خبر ، و
( مُعْرِضُونَ )
: خبر بعد خبر ، والجملة : حال من الناس . و
( مِنْ ذِكْرٍ )
: فاعل بيأتي . و
( مِنْ )
: صلة ، و
( مِنْ رَبِّهِمْ )
: صفة لذكر ، أي : حاصل من ربهم ، أو متعلق بيأتيهم ، أو صفة لذكر ، وجملة
( اسْتَمَعُوهُ )
: حال من مفعول
« يَأْتِيهِمْ »
، بإضمار ( قد ) أو بدونه ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال . و
( هُمْ يَلْعَبُونَ )
: حال أيضا من فاعل
« اسْتَمَعُوهُ »
، و
( لاهِيَةً )
: حال من واو
« يَلْعَبُونَ »
، و
( قُلُوبُهُمْ )
: فاعل بلاهية . يقول الحق جل جلاله :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ
أي : قرب قيام الساعة التي هي محل حسابهم . قال ابن عباس : « المراد بالناس : المشركون » وهو الذي يفصح عنه ما بعده ، ولم يقل تعالى : « اقترب حساب الناس » ، بل قدّم لام الجر على الفاعل ؛ للمسارعة إلى إدخال الروعة ، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبة وانزعاجا ، كما أن تقديم اللام في قوله تعالى :
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
؛ « 2 » لتعجيل المسرة ؛ لأن كون الخلق لأجل المخاطبين مما يسرهم ويزيدهم رغبة وشوقا إليه تعالى . وفي إسناد الاقتراب إلى الحساب المنبئ عن التوجه نحوهم ، مع صحة إسناد الاقتراب إليهم بأن يتوجهوا نحوه ، من تفخيم شأنه ، وتهويل أمره ، مالا يخفى ، لما فيه من تصويره بشئ مقبل عليهم ، لا يزال يطلبهم حتى يصيبهم لا محالة . ومعنى اقترابه : دنوه منهم شيئا فشيئا حتى يلحقهم ؛ لأن كل آت قريب ، أي : دنا حساب أعمالهم السيئة الموجبة للعقاب .
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
تامة منه ، ساهون بالمرة عنه ، غير ذاكرين له ، لا أنهم غير مبالين به ، مع اعترافهم بإتيانه ، بل هم منكرون له ، كافرون به ،
مُعْرِضُونَ
عن الآيات والنذر المنبهة لهم عن سنة الغفلة .
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ
هامش
( 1 ) من الآية 135 من سورة طه . ( 2 ) من الآية 29 من سورة البقرة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 441 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان