تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
ثم بيّن تصريف الوعيد على ارتكاب العصيان وبيان منشئه ، وهو عداوة الشيطان فقال :
( وَلَقَدْ . . )
إلخ . . أو تقول : لما نهاه عن العجلة لأجل خوف النسيان ، قال له : قد نسي أبوك آدم ، فالنسيان من طبع الإنسان ، فقال :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 115 إلى 121 ]

وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ( 115 ) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى ( 116 ) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 ) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى ( 120 ) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) قلت : يقال : عهد إليه الملك ، وأوعد إليه ، وتقدم إليه : إذا أمره ووصاه . يقول الحق جل جلاله :
وَ
الله
لَقَدْ عَهِدْنا
وتقدمنا
إِلى آدَمَ
من غرور الشيطان وعداوته ، ووصيناه ألا يغتر به ،
فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ
، فلا تغتر بنصحه ،
فَنَسِيَ
ذلك العهد ولم يحتفل به ، حتى غفل عنه ، واغتر بإظهار نصحه ، حتى أكل من الشجرة ، متأولا أن النهى للتنزيه ، أو عن عين الشجرة ، لا عن جنسها ، فأكل من غيرها ،
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
أي : ثبات قدم ، وحزما في الأمور ، إذ لو كان كذلك لما غرّه الشيطان بوسوسته ، وقد كان ذلك منه عليه السّلام في بدء أمره ، قبل أن يجرب الأمور ؛ ويتولى حارها وقارها ، ويذوق شرّيها وأريها « 1 » . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو وزنت أحلام بني آدم - أي : عقولهم - بحلم آدم ، لرجح حلمه » « 2 » . وقيل :
( وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً )
على الذنب ، فإنه أخطأ ، أو تأول ، ولم يتعمد ، وأما قوله :
( وَعَصى . . . )
؛ فلعلو شأنه وقربه عد عصيانا في حقه ، « حسنات الأبرار سيئات المقربين » . ثم شرع في بيان المعهود ، وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه ، فقال :
وَإِذْ قُلْنا
أي : واذكر وقت قولنا
لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
، وتعليق الذكر بالوقت ، مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث ؛ للمبالغة في إيجاب ذكرها ، فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه ، فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه
هامش
( 1 ) الشّرى : الحنظل ، والأرى : العسل . ( 2 ) أخرجه ابن جرير في التفسير ( 16 / 221 ) ، وسعيد بن منصور ، وابن عساكر ، وابن المنذر ، كما عزاه لهم السيوطي في الدر المنثور ( 4 / 553 ) عن أبي أمامة الباهلي ، موقوفا .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 425 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان