تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 422

مساهمون:

ص٤٢٢
قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ
أي : في دخول الحضرة ،
( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ )
في التربية والترقية ،
( وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا )
، وهو ذكر الله ، يأمر به من أراد شفاعته فيه ، حتى تستولى عليه أنوار الذكر ، فيدخل مع الأحباب ، ويجلس على بساط الاقتراب ، فحيئذ يحصل له العلم بالله ، على نعت الذوق والوجدان ، وشهود العيان ، لا على نعت الدليل والبرهان . وقوله تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
إشارة إلى عدم الإحاطة بكنه الربوبية لمن دخل الحضرة ، فلو حصل لهم الإحاطة بالكنه لم يبق ترقّ ، وكيف ؟ وهم يترقون في أسرار الذات وأنوار الصفات دائما سرمدا ، في هذه الدار وفي تلك الدار ! ، ففي كل ساعة يتجدد لهم من لذيذ المشاهدات وأنوار المكاشفات ، ما تعجز عنه العقول ، وتكلّ عنه طروس النقول . نعم يحصل لهم العلم الضروري بالذات العلية ، ويشاهدون ما تجلى من أسرارها وأنوارها ، وتسرح فكرتهم في بحر الأولية والآخرية ، والظاهرية والباطنية ، والعظمة الفوقية وما تحت الثرى ، ويخوضون في بحار الأحدية ، ويتفكرون في قاموس كنه الربوبية ، فلا خوف ولا ملل ، من غير إحاطة ، كما تقدم . والله تعالى أعلم . فإذا رجعوا إلى مشاهدة الرسوم خضعت وجوههم للحى القيوم ، كما قال تعالى :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 111 إلى 112 ]

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ( 111 ) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً ( 112 ) قلت :
( وَقَدْ خابَ . . )
إلخ : استئناف ، تعليل ما لأجله عنت وجوههم ، أو اعتراض ، كأنه قيل : خابوا وخسروا ، أو حال من الوجوه ، و
( مَنْ )
: عبارة عنها ، مغنية عن ضميرها ، أي : خضعت الوجوه ، والحال أنها خابت حين حملت ظلما . وقيل :
( الْوُجُوهُ )
على العموم ، فالمعنى حينئذ : وقد خاب من حمل منهم ظلما ، ومن قرأ : « فلا يخف » : فعلى النهى ، وهو جواب ، ومن قرأ بالرفع : فعلى الخبر ، أي : فهو لا يخاف . يقول الحق جل جلاله :
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ
أي : ذلت وخضعت خضوع العناة ، أي : الأسارى في يد الملك القهار ، ومنه قيل للأسير : « عان » ، أي : خاضع ذليل ، وفي ذلك يقول أمية بن أبي الصلت :
مليك على عرش السّماء مهيمن * لعزّته تعنو الوجوه وتسجد
ولعلها وجوه المجرمين ، كقوله تعالى :
سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
« 1 » ، ويؤيده وصله بقوله :
وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً
أي : وعنت الوجوه ؛ لأنها قد خابت وخسرت حين حملت ظلما .
هامش
( 1 ) من الآية 27 من سورة الملك .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 422 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان