تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
يقول الحق جل جلاله :
وَكَذلِكَ
أي : ومثل ذلك الإنزال المتقدم ،
أَنْزَلْناهُ
أي : القرآن كله ، وإضماره ، من غير سبقية ذكره ؛ للإيذان بنباهة شأنه ، وكونه مركوزا في العقول ، حاضرا في الأذهان ، حال كونه :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
؛ ليفهمه العرب ، ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز ، الدال على كونه خارجا عن طوق البشر ، نازلا من عند خلّاق القوى والقدر .
وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ
أي : كررنا فيه بعض الوعيد ، أو من جنس الوعيد ،
لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
أي : كي يتقوا الكفر والمعاصي بالفعل ،
أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
؛ اتعاظا واعتبارا يؤديهم إلى الاتقاء ،
فَتَعالَى اللَّهُ
أي : تعاظم شأنه عما يصفه الكفرة ، وتهاون العصاة ، الذين لم يحدث فيهم القرآن زجرا ولا وعظا ، أي : ارتفع بذاته وتنزه عن مماثلة المخلوقين في ذاته وصفاته وأفعاله ،
الْمَلِكُ
لها ، النافذ أمره ونهيه ، الحقيق بأن يرجى وعده ، ويخشى وعيده ،
الْحَقُّ
في ألوهيته لذاته ، أو الثابت الذي لا يمكن عدمه ، أزلا وأبدا .
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
أي : وإذا كنا أنزلنا عليك قرآنا عربيا ، وصرفنا فيه من الوعيد ، فأمهل عند نزوله ، حتى يقرأه عليك الملك ، ولا تعجل به قبل أن يتم وحيه ، ويفرغ من قراءته عليك . كان صلى اللّه عليه وسلم ، إذا ألقى جبريل عليه الوحي ، يتبعه عند تلفظ كل حرف وكل كلمة ، لكمال اعتنائه بالتلقى والحفظ ، فنهى عن ذلك ؛ لأنه ربما يشغله التلفظ بكلمة عن سماع ما بعدها ، ولأنّ المراد من الألفاظ فهم المعاني المتضمنة للعلوم التي لا حصر لها ، ولذلك أمره باستفاضة العلم واستزادته منه فقال :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
أي : وقل في نفسك ، أو بلسانك : رب زدني علما ، والمراد : سل الله عز وجل زيادة العلم به وبأحكامه ؛ إذ لا نهاية لعلمه كما لا نهاية لذاته ، فإنه الموصل إلى مطلبك دون الاستعجال . والله تعالى أعلم . الإشارة : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا ، يعرب عن كمال ظهور ذاته وأنوار صفاته ، وصرفنا فيه من الوعيد ، لمن تخلف عن شهوده ، بعد كمال ظهوره ، لعلهم يتقون ما يحجبهم عن رؤيته ، أو يحدث لهم ذكرا ، أي : شوقا يزعجهم إلى النهوض إلى حضرته ، والوصول إليه ، فتعالى الله الملك الحق أن يتصل بشئ ، أو يتصل به شئ « 1 » ، وإنما الوصول إليه : العلم بإحاطته ووحدة ذاته . ولا تعجل ، أيها العارف ، بالقرآن الذي ينزل على قلبك من وحي الإلهام ، من قبل أن يقضى إليك وحيه ، فإنّ الواردات الإلهية تأتى مجملة ، وبعد الوعي يكون البيان ،
( فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ )
، ولكن استزد من ربك العلوم اللدنية والكشوفات الإلهية ، أي : لا يكن همك استعجال الواردات أو بقاءها ، وليكن همك استزادة العلوم ومعرفة واهبها ، فإن العلوم وسائل لمعرفة المعلوم ، والوصول للحى القيوم . وبالله التوفيق .
هامش
( 1 ) رحم الله الشيخ ابن عجيبة ، وأثابه على هذه الكلمة العظيمة . ولنا أن نفهم منها نفى الحلول والاتحاد ، الذي هو مذهب أهل الزيغ والإلحاد .