تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
أي : ما تقدمهم من الأحوال ، أو من أمر الدنيا ،
وَما خَلْفَهُمْ
: وما بعدهم مما يستقبلونه ، أو من أمر الآخرة ،
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
أي : لا تحيط علومهم بذاته المقدسة ، بحيث يدركون كنه الربوبية ، أو : لا تحيط علومهم بمعلوماته تعالى . قال القشيري : الكناية « 1 » في قوله :
( بِهِ )
، يحتمل أن تعود إلى
( ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ )
، ويحتمل أن تعود إلى الحقّ - سبحانه - وهو طريقة السّلف ، يقولون : يعلم الحق ولا يحيط به العلم ، كما قالوا : إنه يرى ولا يدرك . ه . الإشارة : وقد آتيناك من لدنّا ذكرا ، أي : قرآنا يجمع القلوب على الله ، ويدل على مشاهدة الله . من أعرض عنه - أي : عن الله - ولم يتوجه إليه بكليته ، فإنه يحمل وزرا ، يثقله عن الترقي إلى مقام العارفين ، فيبقى مخلدا في حضيض الغافلين ، وذلك في يوم يجمع اللّه فيه الأولين والآخرين ، فيكرم المتقين ، ويهين المجرمين ، حيث يزول عنهم ما كانوا فيه من الدعة والسعة ، كأنهم ما لبثوا فيه غير ساعة . ويسألونك ، أيها العارف ، عن جبال العقل ، حين تطلع على نور قمره شمس العرفان ، فقل ينسفها ربى نسفا ، فيذر أرض النفس ، حين استولت عليها أسرار المعاني ، قاعا صفصفا ، لاتصالها بفضاء المعاني ، حين ذهبت أغيار الأواني ، لا ترى فيها انخفاضا ولا ارتفاعا . وإنما ترى وجودا متصلا ، وبحرا طامسا ، ليس فيه بعد ولا قرب ، ولا علو ولا سفل ، وفي ذلك يقول الشاعر :
من أبصر الخلق كالسراب * فقد ترقى عن الحجاب
إلى وجود تراه رتقا * بلا ابتعاد ولا اقتراب
ولم يشاهد به سواه * هناك يهدى إلى الصواب
فلا خطاب به إليه * ولا مشير إلى الخطاب
والمراد بالخلق : جميع الكائنات ، فلا خطاب من العبد إلى ربه ، لمحو العبد من شدة القرب ، ولم تبق له إشارة ولا عبارة . وفي الحكم : « ما العارف من إذا أشار وجد الحق أقرب إليه من إشارته ، بل العارف من لا إشارة له ؛ لفنائه في وجوده ، وانطوائه في شهوده » . وقالوا : من عرف الله كلّ لسانه ، وإليه الإشارة بقوله :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
. وهذا بعد اتباع الداعي إلى الله وصحبته ، من غير عوج عنه ، ولا خروج عن رأيه ، حتى يقول له : ها أنت وربك . فحيئذ تحصل الهيبة والتعظيم ، فلا يقدر أحد أن يرفع صوته ، وهو في حضرة الملك الكريم ، وهذا شأن الصوفية ، كلامهم كله تخافت وتسارر ؛ لغلبة الهيبة عليهم .
هامش
( 1 ) أي : الضمير .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 421 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان