تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
« 1 » أي : كالجبل العظيم من الماء ، وكانوا يمرون به ، وكلهم بنو أعمام ، لا يرى بعضهم بعضا ، فقالوا : قد غرق إخواننا ، فأوحى الله إلى أطواد الماء : أن اشتبكى ، وصارت شبابك ، يرى بعضهم بعضا ، ويسمع بعضهم كلام بعض ، فلما أتى فرعون الساحل ، وجد البحر منفلقا ، فقال : سحر موسى البحر ، فقالوا : إن كنت ربا فادخل كما دخل ، فجاء جبريل على رمكة وديق ، أي : تحب الفحل ، وكان فرعون على حصان ، فاقتحم جبريل بالرمكة الماء ، فلم يتمالك حصان فرعون ، فاقتحم البحر على إثره ، ودخل القبط كلهم ، فلما لجّجوا ، أوحى الله تعالى إلى البحر أن أغرقهم ، فعلاهم البحر وأغرقهم . فعبر موسى عليه السّلام بمن معه من الأسباط سالمين ، وأما فرعون وجنوده
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
أي : علاهم منه وغمرهم من الأمر الهائل ، الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه . قال القشيري : فغرقوا بجملتهم ، وآمن فرعون لما ظهر له البأس ، فلم ينفعه إقراره ، وكان ينفعه لو لم يكن إصراره ، وقد أدركته الشقاوة التي سبقت له من التقدير . ه . وقال الكواشي : ( وغشيهم ) من الغضب والغرق ، وغير ذلك ، مالا يعلم حقيقته إلا الله تعالى . ه . فإبهام الصلة ؛ للتهويل والتفخيم ، وقيل : ( غشيهم من اليم ) ما سمعت قصته في غير هذه السورة ، وليس بشئ ؛ فإن مدار الإبهام على التهويل والتفخيم ، بحيث يخرج عن حدود الفهم والوصف ، لا سماع قصته فقط .
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ
أي : أتلفهم وسلك بهم مسلكا أدى بهم إلى الخيبة والخسران ، حيث ماتوا على الكفر ، وأوصلهم إلى العذاب الهائل الدنيوي ، المتصل بالعذاب الدائم الأخرى ،
وَما هَدى
أي : ما أرشدهم قط إلى طريق توصلهم إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية . وهو تقرير لإضلاله وتأكيد له ، وفيه نوع تهكم به في قوله :
وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
« 2 » ، فإن نفى الهداية عن شخص مشعر بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة ، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم . والله تعالى أعلم . الإشارة : انظر عاقبة من شدّ يده على دينه ، وصبر على شدائد زمانه ، كيف خرقت له العوائد ، وجاءه العز والنصر فأنساه تلك الشدائد ، وأهلك الله من كان يؤذيه من الأعداء ، وسلك به سبيل النجاة والهدى ، وهذه عادة الله مع أوليائه ، يشدد عليهم أولا بضروب البلايا والمحن ، ثم يعقبهم العز والنصر وضروب المنن ، ولذلك ذكّر الله بني إسرائيل بما أنعم عليهم بعد البحر ، فقال :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 80 إلى 82 ]

يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ( 80 ) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى ( 81 ) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 )
هامش
( 1 ) من الآية 63 من سورة الشعراء . ( 2 ) من الآية 29 من سورة غافر .