تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
قلت :
( هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا )
: نصب على إسقاط الخافض ، اتساعا ، لا نصب على الظرفية ؛ لأن الظرف المختص لا ينتصب على الظرفية ، على المشهور ، و
( الَّذِي فَطَرَنا )
: عطف على
( ما جاءَنا )
، أو قسم حذف جوابه ، أي : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك . . إلخ . يقول الحق جل جلاله ، حاكيا عن السحرة ، لمّا خوفهم فرعون :
قالُوا
غير مكترثين بوعيده :
لَنْ نُؤْثِرَكَ
أي : لن نختارك ، باتباعك
عَلى ما جاءَنا
من الله تعالى على يد موسى عليه السّلام
مِنَ الْبَيِّناتِ
أي : المعجزات الظاهرة ؛ لأن ما ظهر من العصا كان مشتملا على معجزات جمة ، كما تقدم .
وَالَّذِي فَطَرَنا
: خلقنا وخلق سائر المخلوقات ، أي : لن نختارك على ما ظهر لنا من دلائل صحة نبوة موسى ، ولا على الذي خلقنا ، حتى نتبعك ونترك الحق ، وكان ما شاهدوه آية حسية ، وهذه آية عقلية . وإيراده بعنوان فاطريته تعالى ؛ للإشعار بعلّية الحكم ، فإن خالقيته تعالى لهم ولفرعون - وهو من جملة مخلوقاته - مما يوجب عدم إيثارهم له عليه سبحانه ، أو : وحق الذي فطرنا لا نؤثرك على ما جاءنا ،
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
أي : فاصنع ما أنت صانعه ، أو : فاحكم ما أنت حاكمه . وهو جواب لقوله :
( فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ . . )
إلخ .
إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
أي : إنما تصنع ما تهواه ، أو تحكم ما تراه في هذه الحياة الدنيا الفانية ، ولا رغبة لنا في البقاء فيها ، رغبة في سكنى الدار الدائمة ، بسبب موتنا على الإيمان .
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا
التي اقترفنا ، من الكفر والمعاصي ، ولا يؤاخذنا بها في الآخرة ، فلا نغتر بتلك الحياة الفانية ، حتى نتأثر بما أوعدتنا به من القطع والصلب ،
وَ
يغفر لنا أيضا
ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ
الذي عملناه في معارضة موسى عليه السّلام ، بإكراهك وحشرك لنا من المدائن القاصية ، وخصوه بالذكر ، مع اندراجه في خطاياهم ؛ إظهارا لغاية نفرتهم عنه ، ورغبة في مغفرته ، وفي ذكره الإكراه : نوع اعتذار ؛ لاستجلاب المغفرة ، وقيل : أرادوا الإكراه على تعلم السحر ، لما روى أن رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين ؛ اثنان منهم من القبط ، والباقي من بني إسرائيل ، وكان فرعون أكرههم على تعلم السحر ، وقيل : إنه أكرههم على المعارضة ، حيث روى أنهم قالوا لفرعون : أرنا موسى نائما ، ففعل ، فوجدوه تحرسه عصاه ، فقالوا : ما هذا بسحر ، فإن الساحر إذا نام بطل سحره ، فأبى إلا أن يعارضوه . لكن يأباه تصديهم للمعارضة بالرغبة والنشاط ، كما يعرب عنه قولهم :
إِنَّ لَنا لَأَجْراً . . *
« 1 » إلخ ، وقولهم :
بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ
« 2 » ، إلا أن يقال : لما رأوا جدّه طمعوا وطلبوا الأجر .
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
أي : وثواب الله خير من إيثار الدنيا الفانية ، وأبقى في الدار الباقية ، أو : والله في ذاته خير ، وجزاؤه أبقى ، نعيما كان أو عذابا .
هامش
( 1 ) من الآية 113 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 44 من سورة الشعراء .