تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
العجلة ، وأىّ شئ أعجلك منفردا عن قومك ، وقد أمرتك باستصحابهم ، ولعل في إفرادك عنهم عدم اعتناء بهم ؟ فأجاب عليه السّلام بقوله :
هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي
أي : هم هؤلاء قريبا منى ، فهم معي ، وإنما سبقتهم بخطإ يسيرة ، ظننت أنها لا تخلّ بالمعية ، ولا تقدح في الاستصحاب ، فإن ذلك مما لا يعتد به فيما بين الرفقة . قال الكواشي : ولما كان سؤال الرب تعالى لموسى يقتضى شيئين : أحدهما : إنكار العجلة ، والثاني : السؤال عن السبب والحامل عليها ، كان أهم الأمرين إلى موسى بسط العذر وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه ، فاعتل أن قال : إن ما وجد منى تقدم يسير ، لا يعتد بمثله في العادة لقربه ، كما يتقدم الوفد رئيسهم ومتقدمهم ، ثم عقبه بجواب السؤال فقال :
عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى
؛ لتزادد عنى رضا ؛ لمسارعتى إلى الامتثال لأمرك ، واعتنائى بالوفاء بعهدك ؛ لأنه ظن أن إسراعه إليه أبلغ في رضاه . وفي هذا دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء - عليهم السّلام - والمعنى : لتعلم أنى أحبك ولا قرار لي مع غيرك . ه . وقال القشيري : ( هم أولاء على أثرى ) ؛ ما خلّفتهم لتضييعى إياهم ، ولكن عجلت إليك ربّ لترضى . قال : يا موسى ، رضائي في أن تكون معهم ، ولا تتقدمهم ولا تسبقهم ، وكونك مع الضعفاء ، الذين استصحبتهم في حصول رضاى ، أبلغ من تقدّمك عليهم . ه .
قالَ
له تعالى :
فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ
أي : ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم . روى أنهم أقاموا على ما وصاهم به موسى عليه السّلام عشرين ليلة ، بعد ذهابه ، فحسبوها مع أيامها أربعين ، وقالوا : قد أكملنا العدة ، وليس من موسى عين ولا أثر ، وكان وعدهم أن يغيب عنهم أربعين يوما ، واستخلف هارون على من بقي منهم ، وكانوا ستمائة ألف ، فافتتنوا بعبادة العجل كلهم ، ما نجا منهم إلا اثنا عشر ألفا . وهذا معنى قوله تعالى :
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
، حيث كان هو السبب في فتنتهم ، فقال لهم : إنما أخلف موسى عليه السّلام ميعادكم ؛ لما معكم من حلى القوم ، فهو حرام عليكم ، فكان من أمر العجل ما يأتي تفسيره إن شاء الله . فإخباره تعالى بهذه الفتنة عند قدومه عليه السّلام ، قبل وقوعها ، إما باعتبار تحققها في علمه تعالى ، وإما باعتبار التعبير عن المتوقع بالواقع ، كما في قوله تعالى :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ
« 1 » ، أو لأن السامري كان قد عزم على إيقاع الفتنة عند ذهاب موسى عليه السّلام ، وتصدى لها بترتيب مبادئها ، فكانت الفتنة واقعة عند الإخبار بها . والسامري منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل ، يقال لها : سامرة ، وقيل : كان رجلا من كرمان . وقال ابن عباس : كان من قرية يعبدون البقر ، فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام ، وفي قلبه ما فيه من حب عبادة البقر ، فابتلى الله به بني إسرائيل ، واسمه : موسى بن ظفر .
هامش
( 1 ) من الآية 44 من سورة الأعراف .