تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
ثم أقبل على السحرة بالوعيد ، فقال :
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
أي : فوالله لأقطعن أيديكم
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
أي : اليد اليمنى والرجل اليسرى . وتعيين تلك الحال ؛ للإيذان بتحقيق هذا الأمر وإيقاعه لا محالة ، فتعيين تلك الحالة المعهودة من باب السياسة ، أو لأنها معهودة لمن خرج عن حكم طاعته .
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
أي : عليها ، وإتيان كلمة
« فِي »
؛ للدلالة على إبقائهم عليها زمنا مديدا ، تشبيها في استمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه ، وقيل : هو أول من صلب .
وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا
، يريد نفسه أو موسى عليه السّلام ، حيث خافوا من عصاه فأسلموا ، فهم اللعين أن إيمانهم لم يكن للمعجزة ، إنما كان خوفا ، حيث رأوا عصاه ابتلعت حبالهم وعصيهم ، أو يريد
( أَيُّنا )
أي : أنا أو رب موسى وهارون ، الذي آمنتم به ،
أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى
أي : أدوم . قالوا : لم يثبت في القرآن أن فرعون فعل بأولئك المؤمنين ما أوعدهم به ، ولم يثبت في الأخبار ، لكن روى عن ابن عباس ، وغيره ، أنه أنفذه . وروى أن امرأة فرعون كانت تسأل : من غلب ؟ فيقال لها : موسى ، فقالت : آمنت برب موسى وهارون ، فأرسل إليها فرعون يهددها ، وقال : انظروا أعظم صخرة ، فإن استقرت على قولها فألقوها عليها ، فلما ألقوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة ، فمضت على قولها ، وانتزعت روحها منها ، وألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه . قاله الثعلبي . والله تعالى أعلم . الإشارة : من سبقت له العناية ، لا تضره الجناية . هؤلاء السحرة جاءوا يحادون الله ورسوله ، فأضحوا أولياء الله . روى أن موسى عليه السّلام لما قال لهم :
أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ *
، سمع هاتفا يقول : ألقوا يا أولياء الله ، فتحير موسى عليه السّلام ، وأوجس في نفسه خيفة ، وقال : كيف أعارض أولياء الله ، فلما ألقى عصاه ظهرت ولايتهم . فكم من لصوص خرج منهم الخصوص . ففي أمثال هؤلاء تقوية لرجاء أهل الجناية ، إذا طلبوا من الله سرّ العناية ، وإدراك مقام الولاية ، ولذلك ابتدأ القشيري في رسالته بذكر من تقدم له جنايات من الأولياء ، كالفضيل ، وابن أدهم ، وأضرابهم - رضى الله عن جميعهم - . ثم ذكر ثبوت السحرة على الإيمان ، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ، فقال :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 72 إلى 76 ]

قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا ( 72 ) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى ( 73 ) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى ( 74 ) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ( 75 ) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى ( 76 )
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 403 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان