تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
من تخييل السحر الذي يقلب الأعيان في مرأى العين ، كما يفعله أهل الشعوذة ، وهو علم معروف من علوم السحر ، ويدل على ذلك ما ورد أنها انقلبت حيات تمشى على بطونها ، تقصد موسى عليه السّلام ، فكيف يفعل الزئبق هذا ؟ قال ابن جزى : استدل بعضهم بهذه الآية أن السحر تخييل لا حقيقة له . ه .
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً
أي : خوفا ،
مُوسى
أي : أضمر في نفسه بعض خوف ، من جهة الطبع البشرى المجبول على النفرة من الحيات ، والاحتراز من ضررها . وقال مقاتل : إنما خاف موسى ، إذ صنع القوم مثل صنيعه ، بأن يشكّوا فيه ، فلا يتبعوه ، ويشك فيه من تابعه .
قُلْنا لا تَخَفْ
ما توهمت ،
إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
؛ الغالب عليهم ، والجملة : تعليل لنهيه عن الخوف ، وتقرير لغلبته ، على أبلغ وجه ، كما يعرب عنه الاستئناف ، وحرف التحقيق ، وتأكيد الضمير ، وتعريف الخبر ، ولفظ العلو . ثم قال له :
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ
أي : عصاك ، وإنما أبهمت ؛ تفخيما لشأنها ، وإيذانا بأنها ليست من جنس العصا المعهودة ، بل خارجة عن حدود أفراد الجنس ، مبهمة الكنه ، مستتبعة لآثار غريبة ، وأما حمل الإبهام على التحقير ، بمعنى : لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم ، وألق العويد الذي في يدك ، فإنه بقدرة الله تعالى يتلقفها مع وحدته وكثرتها ، وصغره وكبرها ، فيأباه ظهور حالها ، وما وقع منها فيما مر من تعظيم شأنها . وقوله تعالى :
تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
: جواب الأمر ، من لقفه ، إذا ابتلعه والتقمه بسرعة ، أي : تبتلع ، وتلتقم بسرعة ، ما صنعوا من الحبال والعصى ، التي تخيل إليك ، والجملة الأمرية معطوفة على النهى عن الخوف ، موجبة لبيان كيفية غلبته عليه السّلام وعلوه ، وإدحاض الخوف عنه ، فإن ابتلاع عصاه لأباطيلهم ، التي منها أوجس في نفسه ما أوجس ، مما يقلع مادته بالكلية . وهذا ، كما ترى ، صريح في أن خوفه عليه السّلام لم يكن - كما قال مقاتل - من خوف شك الناس وعدم اتباعه له عليه السّلام ، وإلا لعلله بما يزيله من الوعد بالنصر الذي يوجب اتباعه . فتأمله . قاله أبو السعود . وفيه نظر بأن قوله :
تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
صريح في عدم الالتباس ؛ إذ لا ينبغي التباس مع ابتلاع عصاه لعصيهم ، فتأمله .
إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ
أي : إن الذي صنعوه كيد ساحر وحيله . وقرأ أهل الكوفة : ( سحر ) ؛ بكسر السين ، فالإضافة للبيان ، كما في « علم فقه » ، أو : كيد ذي سحر ، أو يسمى الساحر سحرا ؛ مبالغة . والجملة تعليل لقوله :
( تَلْقَفْ )
أي : تبتلعه ؛ لأنه كيد ساحر ،
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
أي : حيث وجد ، وأين أقبل ، وهو من تمام التعليل . والله تعالى أعلم . الإشارة : يقال للفقير ، المتوجه إلى الله تعالى ، من قبل الحق : إمّا أن تلقى الدنيا من يدك ، وإمّا أن نكون أول من ألقاها عنك ، أي : إما أن تتركها اختيارا ، أو تزول عنك اضطرارا ؛ لأن عادته تعالى ، مع المتوجه الصادق ، أن يدفع عنه كل ما يشغله من أمور الدنيا . فيقول - إن كان صادق القلب - : بل ألقها ، ولا حاجة لي بها ، فألقاها الحق تعالى ،