تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
عددا وأموالا ، فقال فرعون : إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما ) . ولا شك أن حمل الإخراج على إخراج بني إسرائيل من بينهم ، مع بقاء قوم فرعون على حالهم آمنين في ديارهم : بعيد ، مما يجب تنزيه التنزيل عن أمثاله . وقوله تعالى :
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ
: تصريح بالمطلوب ، أي : إذا كان الأمر كما ذكر ، من كونهما ساحرين يريدان إخراجكم من بلادكم ، فأجمعوا كيدكم ، أي : اجعلوه مجمعا عليه ، بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم ، وارموه عن قوس واحدة . وقرأ أبو عمرو : ( فاجمعوا ) ، من الجمع ، أي : فاجمعوا أدوات سحركم ورتبوها كما ينبغي ،
ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا
أي : مصطفين ، أمروا بذلك ؛ لأنه أهيب في صدور الرائين ، وأدخل في استجلاب الرهبة من المشاهدين . قيل : كانوا سبعين ألفا ، مع كل واحد منهم حبل وعصا ، وأقبلوا عليه إقبالة واحدة ، وقيل : كانوا اثنين وسبعين ساحرا ؛ اثنان من القبط ، والباقي من بني إسرائيل ، وقيل : تسعمائة ؛ ثلاثمائة من الفرس ، وثلاثمائة من الروم ، وثلاثمائة من الإسكندرية ، وقيل : خمسة عشر ألفا . والله تعالى أعلم . ولعل الموعد كان مكانا متسعا ، خاطبهم موسى عليه السّلام بما ذكر في قطر من أقطاره ، وتنازعوا أمرهم في قطر آخر ، ثم أمروا أن يأتوا وسطه على الوجه المذكور . ثم قالوا في آخر نجواهم :
وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
؛ فاز بالمطلوب من غلب ، يريدون بما وعدهم فرعون من الأجر والتقريب ، أو بالرئاسة والجاه والذكر الحسن في الناس . وقيل : كان نجواهم أن قالوا - حين سمعوا مقاله موسى عليه السّلام : ما هذا بقول ساحر ، وقيل : كان ذلك أن قالوا : إن غلبنا موسى اتبعناه ، وقيل : قالوا فيها : إن كان ساحرا غلبناه ، وإن كان من السماء فله أمر . فيكون إسرارهم حينئذ من فرعون ، ويحمل قولهم :
إِنْ هذانِ لَساحِرانِ . . .
إلخ ، على أنهم اختلفوا فيما بينهم على الأقاويل المذكورة ، ثم أعرضوا عن ذلك بعد التنازع والتناظر ، واستقرت آراؤهم على المغالبة والمعارضة . والله تعالى أعلم بما كان . ثم طلبوا المعارضة ، فقالوا :
يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ
ما تلقيه أولا ،
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
ما نلقيه . خيروه عليه السّلام فيما ذكر ؛ مراعاة للأدب ، لما رأوا عليه من مخايل الخير ، وإظهارا للجلادة ،
قالَ بَلْ أَلْقُوا
أنتم أولا ، مقابلة لأدبهم بأحسن منه ، فبتّ القول بإلقائهم أولا ، وإظهارا لعدم المبالاة بسحرهم ، ومساعدة لما أوهموا من الميل إلى البدء ، وليستفرغوا أقصى جهدهم وسعيهم ، ثم يظهر الله سبحانه سلطانه ، فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه ، كما تعود من ربه . فألقوا ما عندهم ،
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
أي : ففوجىء موسى ، وتخيل سعى حبالهم وعصيهم من سحرهم ، وذلك أنهم كانوا لطخوها بالزئبق ، فلما ضربت عليها الشمس اضطربت واهتزت ، فخيل إليه أنها تتحرك . قلت : هكذا ذكر كثير من المفسرين . والذي يظهر أن تحريكها إنما كان
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 400 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان