تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
الشدائد والمكاره ، بجميل الصبر وحسن الثبات ، فيلقاها بصدر فسيح ، وجأش رابط ، وأن يسهل عليه مع ذلك أمره ، الذي هو أجلّ الأمور وأعظمها ، وأصعب الخطوب وأهولها ، بتيسير الأسباب ورفع الموانع . وفي زيادة كلمة
( لِي )
، مع انتظام الكلام بدونها ، تأكيد لطلب الشرح والتيسير ؛ بإبهام المشروح والميسّر أولا ، ثم تفسيرهما ثانيا ، وفي تقديمهما وتكريرهما : إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين ، وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما . ثم قال :
وَاحْلُلْ
أي : امشط وافسح
عُقْدَةً مِنْ لِسانِي
، روى أنه كان في لسانه رتة من أثر جمرة أدخلها فاه في صغره . وذلك أنه كان في حجر فرعون ذات يوم ، فلطمه ونتف لحيته ، فقال فرعون لآسية امرأته : هذا عدو لي ، فقالت آسية : على رسلك ، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت ، ثم جاءت بطستين في أحدهما الجمر ، وفي الآخر الياقوت ، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار ، حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه ، فبقيت له رتة في لسانه ، واختلف في زوال العقدة بكمالها ؛ فمن قال به تمسك بقوله تعالى :
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى
، ومن لم يقل به احتج بقول :
هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً
« 1 » ، وقوله تعالى :
وَلا يَكادُ يُبِينُ
« 2 » وأجاب عن الأول : بأنه لم يسأل حلّ عقدة لسانه بالكلية ، بل حلّ عقدة تمنع الإفهام ، فخفف بعضها لدعائه ، لا جميعها ، ولذلك نكّرها ووصفها بقوله :
مِنْ لِسانِي
أي : عقدة كائنة من عقد لساني ،
يَفْقَهُوا قَوْلِي
أي : إن تحلل عقدة لساني يفقهوا قولي .
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً
أي : معينا ومقويا
مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي
؛ ليعيننى على تحمل ما كلفتنى به من أعباء التبليغ .
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
أي : قّ به ظهري ،
وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي
؛ واجعله شريكا لي في أمر الرسالة ، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي ،
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً
، هو غاية للأدعية الثلاثة الأخيرة ، من قوله :
( وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً . . . )
إلخ ، ولا شك أن الاجتماع على العبادة والذكر سبب في دوامهما وتكثيرهما . وفي الحديث : « يد الله مع الجماعة » « 3 » ، ولذلك ورد الترغيب في الاجتماع على الذكر : والجمع في الصلاة ؛ ليقوى الضعيف بالقوى ، والكسلان بالنشيط ، وقيل : المراد بكثرة التسبيح والذكر ما يكون منها في تضاعيف أداء الرسالة ودعوة المردة العتاة ، لأنه هو الذي يختلف في حالتي التعدد والانفراد ، فإن كلّا منهما يصدر منه ، بتأييد الآخر ، من إظهار الحق ، ما لا يصدر منه حال الانفراد . والأول أظهر . و
كَثِيراً
: وصف لمصدر أو زمن محذوف ، أي : ننزهك عما لا يليق بجلالك وجمالك ، تنزيها كثيرا ، أو زمنا كثيرا ، ومن جملة ذلك : ما يدعيه فرعون الطاغية ، وتقبله منه الفئة الباغية من ادعاء الشرك في الألوهية .
هامش
( 1 ) من الآية 34 من سورة القصص . ( 2 ) من الآية 52 من سورة الزخرف . ( 3 ) أخرجه الترمذي في ( الفتن ، باب ما جاء في لزوم الجماعة ) ، من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه ، وقال الترمذي : حديث حسن .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 384 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان