تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
يقول الحق جل جلاله :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
، إنما سأله ؛ ليريه عظيم ما يفعل بها ؛ من قلبها حية ، فمعنى السؤال : تقريره على أنها عصى ، ليتبين له الفرق بين حالها قبل قلبها وبعده ، وقيل : إنما سأله ليؤنسه وينبسط معه ، فأجابه بقوله :
هِيَ عَصايَ
، نسبها لنفسه تحقيقا لوجه كونها بيمينه ، روى أنها كانت عصا آدم عليه السّلام ، فأعطاها له شعيب ، حين قدمه لرعى غنمه ، على ما يأتي في سورة القصص . وكان في رأسها شعبتان ، وفي أسفلها سنان ، واسمها نبعة ، في قول مقاتل « 1 » .
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها
أي : أعتمد عليها إذا مشيت ، وعند الإعياء ، والوقوف على رأس قطيع الغنم ،
وَأَهُشُّ
أي : أخبط
بِها
الورق من الشجر ؛ ليسقط
عَلى غَنَمِي
فتأكله . وقرئ بالسين ، وهو زجر الغنم ، تقول العرب : هس هس ، في زجرها ، وعداه بعلى ؛ لتضمنه معنى الإقبال والتوجه .
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
أي : حاجات أخرى من هذا الباب . قال ابن عباس : كان موسى عليه السّلام يحمل عليها زاده وسقاءه ، فجعلت تأتيه وتحرسه ، ويضرب بها الأرض فتخرج ما يأكل يومه ، ويركز بها فيخرج الماء ، فإذا رفعها ذهب ، وكان يرد بها عن غنمه ونعمه الهوام بإذن الله ، وإذا ظهر له عدو حاربت وناضلت عنه ، وإذا أراد الاستسقاء من البئر أدلاها ، فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو فيستقى بها ، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل فيستضيئ بها ، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت وأثمرت . فهذه المآرب « 2 » . وكأنه عليه السّلام فهم أن المقصود من السؤال بيان حقيقتها ، وتفصيل منافعها بطريق الاستقصاء ، فلذلك أطنب في كلامه ، فلما بدت منها خوارق بديعة علم أنها آية باهرة ومعجزات قاهرة ، وأيضا : الإطناب في مناجاة الأحباب محمود .
قالَ
له تعالى :
أَلْقِها يا مُوسى
لترى من شأنها ما لم يخطر ببالك ، قيل : إنما أمر بإلقائها ؛ قطعا للسكون إليها ، لما كان فيها من المآرب ، وبالغ الحق تعالى في ذلك بقلبها حية ، حتى خاف منها ، وحين قطعه عنها ، وأخرجها من قلبه ، بالفرار منها ردها إليه بقوله :
خُذْها وَلا تَخَفْ
؛
فَأَلْقاها
على الأرض
فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
، روى أنه عليه السّلام ألقاها فانقلبت حية صفراء ، في غلظ العصا ، ثم انتفخت وعظمت ، فلذلك شبهت بالجان تارة ، وبالثعبان مرة أخرى ، وعبّر عنها هنا بالاسم العام للحالين ، وقيل : انقلبت من أول الأمر ثعبانا ، وهو أليق بالمقام ، كما يفصح عنه قوله عز وجل :
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ *
« 3 » ، وإنما سميت بالجان في الجلادة وسرعة المشي ، لا في صغر الجثة . وقيل : الجان عبارة عن ابتداء حالها ، والثعبان عن انتهائه .
هامش
( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 5 / 268 ) . ( 2 ) قال الحافظ ابن كثير عن هذه المآرب : الظاهر أنها - أي : العصا - لم تكن كذلك ، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى عليه السّلام صيرورتها ثعبانا ، فما كان يفرّ منها هاربا ، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية ، انظر : تفسير ابن كثير ( 3 / 145 ) . ( 3 ) من الآية 107 من سورة الأعراف