قلت :
( مَرَّةً )
: منصوب على الظرفية الزمانية ، وأصله : فعلة ، من المرور ، اسم للمرور الواحد ، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد أمثاله ، ويقرب منها الكرة والرجعة . و
( إِذْ )
: ظرف لمننا ، و
( أَنِ اقْذِفِيهِ )
: مفسرة ، أو مصدرية ، و
( يَأْخُذْهُ )
: جواب « أن اقذفيه » . و
( لِتُصْنَعَ )
: متعلق بألقيت ، عطف على علة مضمرة ، أي : ليتعطف عليك ولتربى على حفظي ورعايتى . و
( إِذْ تَمْشِي )
: ظرف
( لِتُصْنَعَ )
على أن المراد وقت مشيها إلى بيت فرعون ، وما يترتب عليه من القول والرجع إلى أمه .
يقول الحق جل جلاله :
قالَ
اللّه تعالى لموسى عليه السّلام :
قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ
أي : أعطيت مسؤولك ، وبلغنا لك مأمولك في كل ما طلبت منا . والإيتاء ، هنا ، عبارة عن تعلق الإرادة بوقوع تلك المطالب وحصولها ، وإن كان وقوع بعضها مستقبلا ، ولذلك قال :
سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
« 1 » ، وإعادة النداء في قوله :
يا مُوسى
تشريفا له بتوجيه الخطاب بعد تشريفه بإجابة المطلب .
ثم ذكّره بنعمة أخرى قد سلفت ، فقال :
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى
قبل أن يكون منك لنا طلب ، فكيف لا نجيبك بعد الطلب ؟ وتلك المنة :
إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ
حين تحيرت في أمرك ، وخافت عليك من عدوك ، فأوحينا إليها وحي منام أو إلهام أو بملك كريم - عليهما السلام - فقلنا لها :
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
أي : ضعيه فيه ، وأغلقى عليه حتى لا يصل الماء إليه ،
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
أي : ألقيه في البحر بتابوته ،
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ
أي : فسيرميه البحر بالساحل ، ولمّا كان إلقاء البحر له بالساحل أمرا واجب الوقوع ؛ لتعلق الإرادة الربانية به ، جعل البحر كأنه مأمور بإلقائه ، ذو تمييز ، مطيع ، فإن يلقه
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
وهو فرعون . ولا تخافي عليه ؛
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
« 2 » . وتكرير عداوته والتصريح بها ؛ للإشعار بأن عداوته له ، مع تحققها ، لا تضره ، بل تؤدى إلى محبته ، لأن الأمر بما فيه الهلاك ؛ من القذف في البحر ، ووقوعه في يد العدو ، مشعر بأن هناك ألطافا خفية ، ومننا كامنة مندرجة تحت قهر صوري .
هامش
( 1 ) من الآية 35 من سورة القصص .
( 2 ) كما جاء في الآية 7 من سورة القصص .