تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
قالَ
تعالى :
خُذْها
يا موسى ،
وَلا تَخَفْ
، قال ابن عباس رضي اللّه عنه : انقلبت ثعبانا ذكرا ، يبتلع كل شئ من الصخر والشجر ، فلما رآه كذلك خاف ونفر ، ولحقه ما يلحق البشر عند مشاهدة الأهوال من الخوف والفزع ، إذ لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية .
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
أي : سنعيدها ، بعد الأخذ ، إلى حالتها الأولى التي كانت عليها عصا ، قيل : بلغ عليه السّلام عند ذلك من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها ، ويأخذ بلحييها . فلما أخذها عادت عصا ، وحكمة قلبها وأخذها هنا ؛ ليكون معها على ثقة عند مخاصمة فرعون ، وطمأنينة من أمره ، فلا يعتريه شائبة دهش ولا تزلزل . والسيرة : فعلة من السير ، يجوز بها إلى الطريقة والهيئة ، وانتصابها على نزع الخافض . ثم أراه معجزة أخرى ، فقال :
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ
أي : أدخلها تحت عضدك ، فجناح الإنسان : جنباه ، مستعار من جناح الطير ،
تَخْرُجْ بَيْضاءَ
: جواب الأمر ، أي : إن أدخلتها تخرج بيضاء شعاعية ،
مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
أي : حال كونها كائنة من غير عيب بها ؛ كبرص ونحوه . روى أنه عليه السّلام كان آدم اللون ، فأخرج يده من مدرعته بيضاء ، لها شعاع كشعاع الشمس ، تضئ حال كونها
آيَةً أُخْرى
أي : معجزة أخرى غير العصا ،
لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى
أي : فعلنا ما فعلنا ، لنريك بعض آياتنا العظمى ، أو : لنريك الكبرى من آياتنا . قال ابن عباس : « كانت يد موسى أكبر آياته » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : يقال للفقير : وما تلك بيمينك أيها الفقير ؟ فيقول : هي دنياي أعتمد عليها في معاشى وقيام أموري ، وأنفق منها على عيالي ، ولى فيها حوائج أخرى ؛ من الزينة والتصدق وفعل الخير ، فيقال له : ألقها من يدك أيها الفقير ، واخرج عنها ، أو أخرجها من قلبك إن تيسر ذلك مع الغيبة عنها ، فألقاها وخرج عنها ، فيلقيها ، فإذا هي حية كانت تلدغه وتسعى في هلاكه وهو لا يشعر . فلما تمكن من اليقين ، وحصل على غاية التمكين ، قيل له : خذها ولا تخف منها ، حيث رفضت الأسباب ، وعرفت مسبب الأسباب ، فاستوى عندك وجودها وعدمها ، ومنعها وإعطاؤها ، سنعيدها سيرتها الأولى ، تأخذ منها مأربك ، وتخدمك ولا تخدمها . يقول الله تعالى : « يا دنياي ، اخدمي من خدمنى ، وأتبعى من خدمك » « 1 » . وأما قوله تعالى في حديث آخر مرفوعا : « تمررى على أوليائي ولا تحلو لهم فتفتنهم عنى » « 2 » فالمراد بالمرارة : ما يصيبهم من الأهوال والأمراض وتعب الأسفار ، وإيذاء الفجار وغير ذلك . وقد يلحقهم الفقر الظاهر شرفا لهم ، لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « الفقر فخرى وبه أفتخر » « 3 » ، أو كما قال عليه السّلام إن صح . وقال شيخنا البوزيدى رضي اللّه عنه :
هامش
( 1 ) أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه ( 8 / 44 ) عن ابن مسعود مرفوعا . وقال الشوكاني في الفوائد ( ص / 238 ) : « وفي إسناده الحسن بن داود والحديث موضوع » . والحديث في الإتحاف السنية ( 257 ) للديلمي مختصرا . ( 2 ) أخرجه البيهقي في الشعب ( ح 9800 ) بنحوه ومطولا عن قتادة بن النعمان ، وقال البيهقي : لم نكتبه إلا بهذا الإسناد ، وفيه مجاهيل . والحديث في الاتحافات ( 258 ) للديلمي . ( 3 ) قال القاري في الأسرار المرفوعة ( ص 255 ، ح 320 ) « قال الحافظ ابن حجر : « موضوع لا أصل له » .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 382 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان