تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ
أي : اصطفيتك للنبوة والرسالة ، وقرأ حمزة : ( وإنّا اخترناك ) بنون العظمة ،
فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
أي : للذي يوحى إليك ، أو لوحينا إليك ، وهو :
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا
، فالجملة بدل من « ما » .
فَاعْبُدْنِي
؛ أفردنى بالعبادة والخضوع ، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى .
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
: لتذكرنى فيها ؛ لاشتمالها على الأذكار ، وأفردت بالذكر ، مع اندراجها في الأمر بالعبادة ؛ لفضلها على سائر العبادات ؛ لما نيطت به من ذكر المعبود ، وشغل القلب واللسان بذكره ، فإنّ الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة . أو
« لِذِكْرِي »
: لإخلاص ذكرى وابتغاء وجهي ، بحيث لا ترائى بها غيرى . وقيل : لذكرى إياها ، وأمرى بها في الكتب ، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء ، وقيل : لأوقات ذكرى ، وهي مواقيت الصلوات ، وقيل : لذكر صلاتي إذا نسيتها ، لما روى أنه عليه الصلاة والسلام قال : « من نام عن صلاة ، أو نسيها ، فليصلّها إذا ذكرها ؛ لأنّ اللّه تعالى يقول :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
» « 1 » . قال بعضهم : [ أصول العمل ثلاثة ] « 2 » : أقوال وأفعال وأحوال ، فأفضل الأقوال : لا إله إلا الله ، وأفضل الأفعال : الصلاة لله أو بالله ، وأفضل الأحوال : الطمأنينة بشهود الله .
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ
: كائنة لا محالة ، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة ، وإنما عبّر بالإتيان ؛ تحقيقا لحصولها ، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين .
أَكادُ أُخْفِيها
أي : لا أظهرها ، بأن أقول : آتية فقط ، فلا تأتى إلا بغتة ، أو أكاد أظهرها بإيقاعها ، من أخفاه ، إذا أظهره ، فأخفى - على هذا - من الأضداد . وردّه ابن عطية ، فإن الذي بمعنى الظهور هو : « خفى » ؛ الثلاثي ، لا « أخفى » . وقال الزمخشري : قد جاء في بعض اللغات : أخفى بمعنى خفى ، أي : ظهر ، فلا اعتراض . ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى : أكاد أخفيها عن نفسي ، فكيف عن غيرى ؟ وكذلك هو في مصحف أبى ، وفي مصحف عبد الله : فكيف يعلمها مخلوق ، وفي بعض القراءات : وكيف أظهرها لكم ؟ قال قطرب : فإن قيل : كيف يخفى الله تعالى عن نفسه ، وهو خلق الأشياء ؟ قلنا : إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه . انظر بقية كلامه .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه : البخاري في ( مواقيت الصلاة ، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ) ، ومسلم في ( المساجد ، باب قضاء الصلاة الفائتة ، واستحباب تعجيل قضائها ) ، من حديث أنس رضي اللّه عنه . ( 2 ) ما بين المعكوفتين : مشتبه في المخطوطة الأمّ ، وغير موجود في غيرها .