التي لا تتقلب ، وعلمه القديم الذي لا يتغير . وفي هذا المقام : الإشراف على بحار الغيوب ، وسرائر ما كان في القديم ، وعواقب ما يدب . ومنه : مكاشفة العبد بحاله ، وإشهاده من المحبة مقامه ، والإشراف على مقامات العباد في المآل ، والاطلاع عليهم في تقلبهم في الأبد ؛ حالا ومآلا . ه .
قلت : هذا الاطلاع إنما هو إجمالي لا تفصيلي ، وقد يقع فيه المحو والإثبات ؛ لأنه من جملة المعلومات التي دخلت عالم التكوين ، التي يقع فيها التبديل والتغيير .
ثم قال صاحب القوت : وقد قال أحسن القائلين :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ
« 1 » ، والاستثناء واقع على إعطاء الإحاطة بشئ من شهادة علمه ، بنور ثاقب من وصفه ، وشعاع لائح من سبحاته ، إذا شاء ، وذلك إذا أخرجت النفس من الروح ، فكان روحانيا ، خروج الليل من النهار . ه .
ثم تمّم الجواب عن اقتراحهم الآيات ، فقال :
[ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 40 إلى 43 ]
وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ( 40 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 41 ) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ( 42 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ ( 43 )
قلت :
وَإِنْ ما
: شرطية ، اتصلت ما الزائدة بأن الشرطية ؛ للتأكيد ، والجواب :
فَإِنَّما . . .
إلخ ، أو : فلا تحتفل فإنما . . . إلخ ، و
لا مُعَقِّبَ
: في موضع الحال ، أي : يحكم نافذا حكمه ، كقوله : جاء زيد لا سلاح معه ، أي : حاسرا .
و
مَنْ عِنْدَهُ
: عطف على
بِاللَّهِ
.
يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى اللّه عليه وسلم ؛ تسكينا له :
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ
من العذاب الذي استعجلوه ،
أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
قبل أن ترى ذلك ، فلا تحتفل بشأنهم ،
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
للرسالة لا غير ،
وَعَلَيْنَا الْحِسابُ
: المجازاة . والمعنى : كيفما دار الحال در معه ، أريناك بعض ما أوعدناهم في حياتك ، أو توفيناك قبله ، فلا تهتم بإعراضهم ، ولا تستعجل بعذابهم ؛ فإنا فاعلون ذلك لا محالة ، وهذا طلائعه ، فقد فتحنا عليك كثيرا من بلادهم ونقصناها عليهم .
هامش
( 1 ) من الآية : 255 من سورة البقرة .