تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ
أي : أرض الكفرة ،
نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
بما نفتحه على المسلمين منها ، فيخافوا أن نمكّنك من أرضهم ، وتنزل بساحتهم ، منصورا عليهم ، فإذا نزلت بساحتهم ، ولم يخضعوا لك ، فساء صباح المنذرين . وقيل : الأرض جنس ، ونقصها بموت الناس ، وهلاك الثمرات ، وخراب البلاد ، وشبه ذلك . وذلك مقدمات العذاب الذي حكم به عليهم ،
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
: لا راد له . والمعقب : الذي يعقب الشيء بالإبطال ، ومنه قيل لصاحب الدين : معقب ؛ لأنه يعقب غريمه للاقتضاء ، والمعنى : أنه حكم للإسلام بالإقبال ، وعلى الكفرة بالإدبار ، وذلك كائن لا يمكن تغييره .
وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
فيحاسبهم عما قليل في الآخرة ، بعد ما عذّبهم بالقتل والإجلاء في الدنيا .
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
بأنبيائهم ، وبمن تبعهم ،
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
، إذ لا يؤبه بمكر دون مكره ، فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره . سمّى العقوبة باسم الذنب ؛ للمشاكلة ،
يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
فينفذ جزاءها .
وَسَيَعْلَمُ
الكافر « 1 » أي : جنس الكافر ، بدليل قراءة :
« الْكُفَّارُ » ، لِمَنْ
هي
عُقْبَى الدَّارِ
أي : لمن تكون العاقبة في الدارين ، دار الفناء ودار البقاء ، هل لأهل الإسلام المعد لهم دار السلام ؟ أو للكفار المعد لهم دار البوار ؟ . قال البيضاوي : وهذا كالتفسير لمكر اللّه بهم ، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة ، مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت . ه .
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
من رؤساء اليهود :
لَسْتَ مُرْسَلًا
، ولم نجد لك ذكرا في كتابنا ، ولا ما يشهد لك عندنا . قال تعالى :
قُلْ
لهم :
كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
؛ فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغنى عن شاهد يشهد عليها منكم ، ولا من غيركم .
وَ
يشهد لي أيضا :
مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ
الأول ؛ العلم الحقيقي ، كعبد اللّه بن سلام ، ومن أسلم من اليهود والنصارى الذين علموا صفته صلى اللّه عليه وسلم من التوراة والإنجيل ، وعلماء المؤمنين الذين عندهم علم القرآن ، وما احتوى عليه من النظم المعجز ، والعلوم الغيبية الدالة على نبوته صلى اللّه عليه وسلم . أو علم اللوح المحفوظ ، وهو اللّه ، أي : كفى باللّه الذي لا يستحق العبادة غيره ، وبمن لا يعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو ، شهيدا بيننا . ويؤيده قراءة من قرأ :
« وَمَنْ عِنْدَهُ »
؛ بكسر الميم . وعلم الكتاب ، على الأول : مرفوع بالظرف ؛ فإنه معتمد على الموصول . ويجوز أن يكون مبتدأ ، والظرف خبره . وهو متعين على الثاني . قاله البيضاوي . الإشارة : قد قال تعالى في الحديث القدسي : « من آذى لي وليّا فقد آذن بالحرب » . وجرت عادة اللّه تعالى أن ينتقم لأوليائه ، ويغار عليهم ، ولو بعد حين ، فإذا أوذى أحدهم ، واستعجل ذلك يقول له الحق تعالى ما قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم :
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
قبل ذلك ، فليس الأمر بيدك ، فإنما عليك بلاغ ما جاء به
هامش
( 1 ) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي « الكفار » جمع تكسير . وقرأ الباقون . ( الكافر ) على الإفراد . . . انظر الإتحاف ( 2 / 163 ) .