تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ
من ديوان الأحياء ، فيكتب في الأموات ،
وَيُثْبِتُ
من لا يموت . قيل : إن هذا الكتاب يكتب ليلة القدر ، أو ليلة النصف من شعبان ، ويجمع بينهما بأن الكتابة تقع ليلة النصف ، وإبرازه للملائكة ليلة القدر ،
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
أي : الأصل المنسوخ منه كتب الآجال ، وهو اللوح المحفوظ ، أو العلم القديم . وهذا التفسير يناسب اقتراح الآيات ؛ لأنهم إذا أجيبوا بظهور الآية ولم يؤمنوا ، عوجلوا بالهلاك ، وذلك له كتاب محدود . قال الورتجبي : بيّن الحق - سبحانه - أن أوان إتيان الآية بأجل معلوم في وقت معروف ، بقوله :
لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ
أي : لكل مقدور في الأزل في قضية مرادة وقت معلوم في علم اللّه ، لا يأتي إلا في وقته ه . أو :
لِكُلِّ أَجَلٍ
أي : عصر وزمان ،
كِتابٌ
فيه شريعة مخصوصة على ما يقتضيه استصلاحهم .
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ
: ينسخ ما يستصوب نسخه من الشرائع ،
وَيُثْبِتُ
ما تقتضى الحكمة عدم نسخه .
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
وهو : اللوح المحفوظ ؛ فإنه جامع للكائنات . وهذا يترتب على قوله :
وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ
، وهو ما لا يوافق شريعتهم . قال سيدي عبد الرحمن الفاسي :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ
ما يستصوب نسخه ،
وَيُثْبِتُ
ما تقتضيه حكمته ، فلا ينكر مخالفته للشرائع في بعض الأحكام مع موافقته للحكم ، وهو الأصول الثابتة في أصول الشرائع ، ولذا قال :
وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
أي : لا يبدل . ه . وقريب منه للبيضاوى . وقيل : إن المحو والإثبات عام في جميع الأشياء . قال ابن جزى : وهذا ترده القاعدة المتقررة بأن القضاء والقدر لا يتبدل ، وعلم اللّه لا يتغير . ه . قلت : أما القضاء المبرم وهو : علم اللّه القديم الذي استأثر اللّه به ، فلا شك أنه لا يتبدل ولا يتغير ، وأما القضاء الذي يبرز إلى علم الخلائق من الملائكة وغيرهم ، فيقع فيه المحو والإثبات ، وذلك أن الحق تعالى قد يطلعهم على بعض الأقضية ، وهي عنده متوقفة على أسباب وشروط ، يخفيها عنهم بقهريته ، ليظهر اختصاصه بالعلم الحقيقي ، فإذا أراد الملائكة أن ينفذوا ذلك الأمر محاه اللّه تعالى ، وأثبت ما عنده في علم غيبه ، وهو أمّ الكتاب ، حتى قال بعضهم : إن اللوح الحفوظ له جهتان : جهة تلى عالم الغيب ، وفيه القضاء المبرم ، وجهة تلى عالم الشهادة ، وفيه القضاء الذي يرد ويمحى ؛ لأنه قد تكتب فيه أمور ، وهي متوقفة على شروط وأسباب في علم الغيب ، لم تظهر في هذه الجهة التي تلى عالم الشهادة ، فيقع فيها المحو والإثبات ، وبهذا يندفع إشكالات كقوله في الحديث : « لا يردّ القضاء إلا الدّعاء ، وصلة الرحم تزيد في العمر » « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه الترمذي ، في ( كتاب القدر ، باب : ما جاء لا يرد القدر إلا الدعاء ) ، من حيث سلمان . وأخرج البخاري في ( الأدب باب ، من بسط له في الرزق ) من حديث أبي هريرة قال صلى اللّه عليه وسلم : « من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره ، فليصل رحمه » .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 35 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان