تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 375

مساهمون:

ص٣٧٥
نصحك . ه . فإذا دلك على الله غيّبك عن وجود نفسك بشهود ربك ، وهي السعادة العظمى ، كما تقدم في سورة هود . فمن اتخذ شيخا ثم لم ينقله من مقام التعب ، ولم يرحله من مقام إلى مقام ، فاعلم أنه غير صالح للتربية . وقوله تعالى :
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى
، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف : قيل : أنزل الله القرآن لتذكير سابق الوصال ؛ لأن الأرواح لمّا دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها ، فأنزل الله القرآن تأنيسا ؛ لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه . وقال جعفر الصادق : أنزل الله القرآن موعظة للخائفين ، ورحمة للمؤمنين ، وأنسا للمحبين . وأيضا : القرآن يذكّر عظمة الله الموجبة خشيته ، فهو مذهب للغفلة . ثم قال : وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفع المشقة ، ووجدان الراحة بالطاعة ، لكونه يصير محمولا ، وقد قال :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
« 1 » ، أي : لشهودى فيها ، وفي ذلك قرة عين ، وراحة ، وأنس ، وتشابه حال المصلى بحال موسى ، بجامع النجوى ، فلذلك ذكر في سياقه . واللّه أعلم . ه . وقوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحكم بقوله : « يا من استوى برحمانيته على عرشه ، فصار العرش غيبا في رحمانيته ، كما صارت العوالم غيبا في عرشه ، محقت الآثار بالآثار ، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار » . وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات ، والصفة لا تفارق الموصوف ، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته ؛ فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته ، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار ، ومحت كل شئ ، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شئ ، وليس معه شئ ، وهو السميع البصير . وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء . والله تعالى أعلم وأعظم . ثم ذكر قصص موسى عليه السّلام ، وتسليته لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وعما لقى من التعب في تبليغ الوحي ، فقال :

[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 9 إلى 16 ]

وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ( 9 ) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً ( 10 ) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى ( 11 ) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ( 12 ) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى ( 13 ) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ( 14 ) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى ( 15 ) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ( 16 )
هامش
( 1 ) من الآية 14 من سورة طه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 375 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان