تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة ، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض ؛ لزيادة التقرير .
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ
أي : وإن تجهر بذكره تعالى - أو دعائه ، فاعلم أنه تعالى غنى عن جهرك ؛
فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
أي : ما أسررته إلى غيرك ، وشيئا أخفى من ذلك ، وهو ما أخطرته ببالك ، من غير أن تتفوه به أصلا أو : السر : ما أسررته في نفسك ، وأخفى منه : ما ستسره في المستقبل . وهو إمّا نهى عن الحركة ، كقوله تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
« 1 » وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى ؛ بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها ، ومنعها من الاشتغال بغيره ، وقطع الوسوسة عنها ، وهضمها بالتضرع والجؤار . هذا والغرض من الآية : بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء ، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات . ثم بيّن الموصوف بتلك الكمالات ، فقال :
اللَّهُ
أي : ما ذكر من صفات الكمال ، موصوفها الله المعبود بالحق ،
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي : لا معبود بحق إلا هو ، ولا مستحق للعبادة إلا هو . وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه ، فإنّ ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات ، ومن الرحمانية والمالكية للكل ، والعلم الشامل ، يقتضى اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية ، وقوله تعالى :
لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
بيان لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية والمالكية والعالمية أسماءه تعالى وصفاته ، من غير تعدد في ذاته تعالى ؛ فالأسماء والصفات كثيرة ، والمسمى والموصوف واحد . و
( الْحُسْنى )
: تأنيث الأحسن ، فعلى ، يوصف به الواحد المؤنث ، والجمع المذكر والمؤنث ، ك
مَآرِبُ أُخْرى
« 2 » ، و
آياتِنَا الْكُبْرى
« 3 » . والله تعالى أعلم . الإشارة : من تأمل القرآن العظيم ، وما جاء به الرسول - عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم - وجده يدل على ما يفضى إلى الراحة دون التعب ، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء ، لكن لا يتوصل إلى الراحة إلا بعد التعب ، ولا يفضى العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب ، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه ، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب ، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح ، وأفضى حينئذ إلى روح وريحان ، وجنة ورضوان ، أعنى جنة العرفان . ولذلك قال الشيخ أبو الحسن : « ليس شيخك من يدلك على تعبك ، إنما شيخك من يريحك من تعبك » ، كما في لطائف المنن . وقال شيخنا القطب ابن مشيش : وقد سئل عن قوله صلى اللّه عليه وسلم : « يسّروا ولا تعسّروا » فقال : دلوهم على الله ، ولا تدلوهم على غيره ، فإن من دلّك على الدنيا فقد غشك ، ومن دلّك على العمل فقد أتعبك ، ومن دلّك على الله فقد
هامش
( 1 ) من الآية 205 من سورة الأعراف . ( 2 ) من الآية 18 من سورة طه . ( 3 ) من الآية 23 من سورة طه .