تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
قلت : المتبادر من سبب نزولها ومن قوله :
( ما أَنْزَلْنا )
: إما القسم أو النداء ، فالقسم على أن ذلك من أسماء الله ، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل ، أو من أسمائه صلى اللّه عليه وسلم . وأمّا غير ذلك فبعيد ، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافا بعد الوقف على
« طه »
. قاله في الحاشية . و
( إِلَّا تَذْكِرَةً )
: مفعول لأجله . والاستثناء منقطع ، أي : ما أنزلناه لتتعب به ، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ ، و
( تَنْزِيلًا )
: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله ، أي : أنزل تنزيلا ، والأصح : أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له ، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه ، وفيه معنى التأكيد لما قبله ، أو هو نص في معناه ، وإنما تلون الكلام بالالتفات ، أو منصوب على المدح والاختصاص ، أو مفعول بيخشى ، أو حال من
« الْقُرْآنَ »
، و
( الرَّحْمنُ )
: رفع على المدح ، وقد عرفت أن المرفوع مدحا ، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها ، وإن لم يكن تابعا له في الإعراب ، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ ؛ ليكون في صورة متعلق من متعلقاته . وقرئ بالجر ؛ صفة للموصول ، وما قيل من أن الموصولات لا توصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي ، أو
( الرَّحْمنُ )
: مبتدأ ، و
( عَلَى الْعَرْشِ )
: خبره . و
« عَلَى »
: متعلقة باستوى ، قدمت للفواصل . و
( إِنْ تَجْهَرْ )
: شرط ، والجواب محذوف دل عليه
( فَإِنَّهُ . . . )
إلخ ، أي : فالله غنى عن جهرك ، فإنه . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله ؛ تسلية لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أو ترويحا له من التعب : يا محمد
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
أي : لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة . روى أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقوم باللّيل حتّى تورّمت قدماه ، فقال له جبريل عليه السّلام : « أبق على نفسك ، فانّ لها عليك حقا » . أي : ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك « 1 » وحملها على الرياضات الشاقة ، والشدائد الفادحة ، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة . أو : ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة ، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم ، كقوله :
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
« 2 » ، بل للتبليغ ، وقد فعلت . وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع ، ومنه قولهم : أشقى من رائض مهر ، وقيل : إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول صلى اللّه عليه وسلم : إنك شقى ، حيث تركت دين آباءك ، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى ، فردّ اللّه ذلك عليهم . والأول أظهر ، والعموم أحسن ، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة .
إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى
أي : ما أنزلناه لتتعب ، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله - عز وجل - ؛ ليتأثر بالإنذار ، لرقة قلبه ولين عريكته ، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف ، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ ؛ لأنهم المنتفعون بها .
هامش
( 1 ) أي : إجهاد نفسك . ( 2 ) الآية 3 من سورة الشعراء .