تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
السرية - كالفكرة والنظرة في مقام المشاهدة - حمله الحق إلى الحضرة القدسية ، فيكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر . قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرحمن العارف في قوله تعالى :
( وَفْداً )
: قيل : ركبانا على نجائب طاعتهم ، وهم مختلفون ، فمن راكب على صور الطاعات ، ومن راكب على نجائب الهمم ، ومن راكب على نجائب الأنوار ، ومن محمول يحمله الحق في عقباه ، كما يحمله اليوم في دنياه ، وليس محمول الحق كمحمول الخلق . ه . وقوله تعالى :
( لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ . . . )
الآية ، اعلم أن العهد الذي تكون به الشفاعة يوم القيامة هو الطاعة وتربية اليقين والمعرفة ، فتقع الشفاعة لأهل الطاعات على قدر طاعتهم وإخلاصهم ، وتقع لأهل اليقين على قدر يقينهم ، وهم أعظم من أهل المقام الأول ، وتقع لأهل المعرفة على قدر عرفانهم ، وهم أعظم من القسمين ، حتى إن منهم من يشفع في أهل عصره كلهم ، وقد سمعت من شيخنا الفقيه ، شيخ الجماعة سيدي التاودى بن سودة ، أن بعض الأولياء قال عند موته : يا رب شفعني في أهل زماني ، فقال له الحق تعالى - من جهة الهاتف - : لم يبلغ قدرك هذا ، فقال : يا رب إن كان ذلك من جهة عملي واجتهادي فلعمري إنه لم يبلغ ذلك ، وإن كان من جهة كرمك وجودك فوعزتك وجلالك لهو أعظم من هذا ، فقال له : إني شفعتك في أهل عصرك . ه . بالمعنى . فمن رجع إلى كرم اللّه وجوده ، ودخل من هذا الباب ، وجد الإجابة أقرب إليه من كل شئ . وباللّه التوفيق . ثم كرر الرد على أهل الشرك والضلال وشنّع عليهم ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 88 إلى 95 ]

وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ( 90 ) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ( 92 ) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ( 93 ) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ( 94 ) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) قلت :
« هَدًّا »
: مصدر مؤكد لمحذوف ، هو حال من الجبال ، أي : تهد هدّا . و
« أَنْ دَعَوْا »
: على حذف اللام ، أي : لأن دعوا ، وفيه احتمالات أخر . يقول الحق جل جلاله :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
هذه المقالة صدرت من اليهود والنصارى ، ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله ، لعن اللّه جميعهم ، فسبحان اللّه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، فحكى جنايتهم إثر جناية عبدة الأصنام ، وعطف القصة على القصة لاشتراكهم في الضلالة ، قال تعالى في شأنهم :
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
أي : فعلتم أمرا منكرا شديدا ، لا يقادر قدره ، فهو رد لمقالتهم الباطلة ، وتهويل لأمرها بطريق الالتفات
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 364 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان